ولا بد لنا هنا من كلمة حول مسألة العنف في الإسلام ومعالجة الإسلام لبعض الظاهر بالقوة والسيف بدلًا من الحجة والبرهان. فإن مَثلَ هذا مثل من كان في جسده مرضٌ فنظر الطبيب في نوع مرضه ليقرر العلاج النافع له؛ فمن كان مرضه ضعفًا عامًا في الجسد مع سلامة الجسد من الآفات الخبيثة وصف له ما يقوي بدنه ويقيم صلبه، ومن كان مرضه ناجمًا عن انعقاد مادة سمية في الجسد وصف له ترياقًا ناجعًا يقاوم السم ويُذهب أثره، ومن كان مرضه نتنًا خبيثًا كالغرغرينا والسرطان لم يصف له الطبيب إلا بترًا لذاك العضو المصاب بذلك، وهذا البتر مع ما فيه من ضرر وشدة فهو العلاج الوحيد الناجع لاستنقاذ بقية البدن، ومن كان مرضه وباءً يفتك به وينتشر إلى غيره لم يكن بد من حجره وإبعاده عن الناس مع ما في ذلك من الإضرار به.. فمثل المريض الأول المؤمن الذين تنتابه حالات ضعف وفتور في إيمانه لِغَلَبةِ شهوة فهذا ينفع معه تقوية الإيمان بالاستزادة من الطاعات والأذكار الشرعية، ومثل المريض الثاني مثل من شابت قلبه شائبة شبهة أو تأويل فاسد مانع من قبول الحق، فإذا نفيت عنه الشبهة وبينت له وجه الحق انتقع بذلك ما كتب الله تعالى له الانتفاع، ومثل المريض الثالث مثل المعاند الجاحد الذي عرف الحق فرفض الانقياد له عنادًا وجحودًا فلم ينجع في ردعه إلا التهديد بالسيف أو إنفاذ ذلك السيف فيه إن لم يرعوي، كتارك الصلاة لا عن شبهة ولكن عن عناد وإصرار ، وأما المريض الرابع فمثله مثل أئمة الكفر المعاندين الجاحدين المحاربين ولكن لم يكتفوا بذلك حتى أصبحوا ينشرون أذاهم بين الناس يدعون إلى سبيل الباطل فهؤلاء لا بد من استئصال شأفتهم رأفة بالناس من حولهم، وهذا هو حال الطاعن الساب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو العنف والإرهاب في الإسلام يوضع في موضعه الصحيح، تمامًا كما يضع الطبيب مِشرطه ومِبضعه من العضو النتن لينقذ حياة المريض، وكما يضع الحاكم سيفه على المجرمين قطاع الطرق حفظًا للأمن العام، والله الموفق.
الشبهة الثانية: ادعاء أن سب النبي صلى الله عليه وسلم جزء مما يعتقده الكافر الذمي وهو من دينه، وقد أقررناه بعقد الذمة على دينه فكيف نقتله بجزء مما يعتقده؟
جواب الشبهة الثانية:
هذه الشبهة شبهة سقيمة بل شبهة مشبوهة، لأننا ما أقررنا أهل الذمة بعقد الذمة على إظهار ما يدينون به، وإنما أقررناهم على دينهم بالجملة فيما بينهم فلا يظهرون منه شيئًا علانية لا سيما ما يتنقص به من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد سبق بيان أن شرط الذمة بذل الجزية والانقياد لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن خرق أيًا من الشرطين خلع الذمة ونقض العهد، فكيف بمن أظهر سب نبينا صلى الله عليه وسلم .
قال القاضي عياض رحمه الله:"قال محمد بن سحنون: فإن قيل: لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ومِن دينهِ سبه وتكذيبه؟ قيل: لأنا لم نعطه العهد على ذلك ولا على قتلنا وأخذ أموالنا، فإذا قتل واحدًا منا قتلناه وإن كان من دينه استحلاله، فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم".هذا كله قاله العلماء في أهل الذمة فما بالك بمن لا ذمة له اليوم ولا عهد من الكفار المحاربين المستبيحين لحرمات الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أي هراء هذا الذي لا يقبله أحدنا مع نفسه، وأي منا يقبل إذا سمع أحدًا يسبه ويشتمه أن يسكت عنه لأن الساب والشاتم يعتقد في قلبه ودينه أنه مستحق لهذا السب والشتم، هذا إلى كلام المجانين أقرب منه إلى كلام العقلاء الفاهمين، ولكنها ضلالات الشيطان تتردى بأهلها في مهاوي الجهل وظلمات الهوى، نسأل الله العافية من ذلك.
الشبهة الثالثة: ادعاء أن سب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم سببه عدم معرفتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وتقصير المسلمين في ذلك:
جواب الشبهة الثالثة:
وهذه الشبهة من أعجب ما رأيت وسمعت، ولقد تناولتها بالرد في مقال مفرد أوجز منه ما يناسب موضوعنا هذا مستعينًا بالله عز وجل؛