فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 743

12.…عن مصعب بن سعد عن سعد قال:"لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بايِع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين"، فهذا جاء مسلمًا تائبًا ومع ذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعته ينتظر أن يقوم إليه أحد أصحابه فيقتله بسبب ما كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن إظهار الإسلام لا يمنع قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم ،قال ابن تيمية رحمه الله:"إن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد ارتد، وافترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يلقنه الوحي ويكتب له ما يريد، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، ونذر بعضُ المسلمين ليقتلنه. ثم حبسه عثمان أيامًا - يعني يوم الفتح - حتى اطمأن أهل مكة، ثم جاء به تائبًا ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنه، فصمت النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا رجاء أن يقوم إليه الناذر أو غيره فيقتله ويوفي بنذره. ففي هذا دلالة على أن المفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعن عليه قد كان له أن يقتله وأن دمه مباح، وإن جاء تائبًا مِن كفره وفِريته، لأن قتله لو كان حرامًا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، ولا قال للرجل: هلا وفيت بنذرك بقتله! وعبد الله بن سعد إنما جاء تائبًا ملتزمًا لإقامة الصلاة وايتاء الزكاة، بل جاء بعد أن أسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أنه كان مريدًا لقتله، وقال للقوم: هلا قام بعضكم إليه ليقتله، و هلا وفيت بنذرك في قتله. فعُلم أنه قد كان جائزًا له أن يقتل من يفتري عليه ويؤذيه من الكفار، وإن جاء مظهرًا للإسلام والتوبة بعد القدرة عليه، وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن الافتراء عليه وأذاه يجوز له قتل فاعله وإن أظهر الإسلام والتوبة". قلت: وهذا الحديث يكاد يكون نصًا في الباب، فصورته هي عين المسألة التي بين أيدينا، والحقيقة إن من تأمل المسألة من جهة حق النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين الكافر الأصلي والذمي والمسلم إن وقع من أحدهم سب النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذه ثلاثة أدلة مستقلة تضاف إلى ما تقدم من أدلة من القرآن والسنة الدالة على تحتم قتل الساب، وهي هنا تكاد تكون نصًا في مسألة الساب الكافر إن جاء مسلمًا. والذي يترجح والعلم عند الله تعالى أن الكافر إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء مسلمًا، فإنه يُقتل بسبب سب النبي صلى الله عليه وسلم لا فرق بينه وبين المرتد كما تقرر وتقدم آنفًا، والنكتة هنا كالنكتة هناك من حيث تعلق السب بحق النبي صلى الله عليه وسلم ولا مسقط له بعد موته، ومن حيث واجب التعظيم والتوقير والإجلال للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حيث دلالة حوادث السنة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريدًا قتل هؤلاء مع ما عُلم من سنته من العفو عند المقدرة، والله تعالى أعلم.

والحاصل هنا أننا لم نفرق بين المرتد والكافر الأصلي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يتحتم قتله متى أمكن ذلك، إذ لا معنى للتفريق بين نوعي الكفار، ولئن تنزلنا مع القول بأن للذمي نوع عهد وأمان يوجب له حقًا فإن حقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأعظم وأحرى أن يراقَب من الحق المزعوم لذلك الساب، والحمد لله.

الفصل الخامس: رد شبهات حول حكم ساب النبي صلى الله عليه وسلم

إننا مع كل ما قدمنا من أدلة نجد أنفسنا اليوم أمام تراكماتٍ من الشبهات وسُحب التضليل التي تريد أن تتقدم بين يدي الله ورسوله برأي، وأن تواجه نصوص الشريعة باجتهاد تزين لها أنفسها أنه أنسب لروح العصر وأوفى بمتطلباته وأليق بحضارته، وحسبنا في هذا المقام أن نضع نصب أعيننا منهج الصحابة رضوان الله عليهم في التعامل مع نصوص الوحي ولو كان حديث النفس وداعية الرأي على خلافها، ففي الصحيح عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال:"يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته"، أي ومع ذلك لم أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وحديث سهل بن حنيف وعمر بن الخطاب وإن كان يدل على ذم الرأي لكنه مخصوص بما إذا كان معارضًا للنص، فكأنه قال اتهموا الرأي إذا خالف السنة"، قلت: وهذه قاعدة كلية يجدر بالمسلم أن يعيها ويعمل بها: اتهم الرأي إذا خالف السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت