أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ إذَا حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ , وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , وَالزِّنَى بِمُسْلِمَةٍ وَإِصَابَتُهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ , وَفَتْنُ مُسْلِمٍ عَنْ دِينِهِ , وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ , وَقَتْلُهُ , وَإِيوَاءُ جَاسُوسِ الْمُشْرِكِينَ , وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ مُكَاتَبَتِهِمْ , وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كِتَابِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ رَسُولِهِ بِسُوءِ , فَالْخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَفِي مَعْنَاهُمَا قِتَالُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي ذَلِكَ , فَإِذَا فَعَلُوهُ نَقَضُوا الْأَمَانَ ; لِأَنَّهُمْ إذَا قَاتَلُونَا , لَزِمَنَا قِتَالُهُمْ , وَذَلِكَ ضِدُّ الْأَمَانِ , وَسَائِرُ الْخِصَالِ فِيهَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا , أَنَّ الْعَهْدَ يُنْتَقَضُ بِهَا , سَوَاءٌ شُرِطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ . وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا . إلَّا أَنَّ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ , لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِتَرْكِهِ , مَا خَلَا الْخِصَالَ الثَّلَاثَ الْأُولَى , فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ شَرْطُهَا , وَيَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِتَرْكِهَا بِكُلِّ حَالٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ . وَلَنَا , مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ , مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَدْ أَرَادَ اسْتِكْرَاهَ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا , فَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ . وَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَأَشْبَهَ الِامْتِنَاعَ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ . وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ . فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ مَا فِيهِ حَدٌّ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ أَوْ قِصَاصُهُ , وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا , عُزِّرَ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يَنْكَفُ بِهِ أَمْثَالُهُ عَنْ فِعْلِهِ . فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ كُفَّ عَنْهُ , فَإِنْ مَانَعَ بِالْقِتَالِ نُقِضَ عَهْدُهُ . وَمَنْ حَكَمْنَا بِنَقْضِ عَهْدِهِ مِنْهُمْ , خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ; الْقَتْلُ , وَالِاسْتِرْقَاقُ , وَالْفِدَاءُ , وَالْمَنُّ , كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَدَرْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ , وَلَا شُبْهَةِ ذَلِكَ , فَأَشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِيَّ . وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهِ دُونَ ذُرِّيَّتِهِ ; لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ دُونَهُمْ , فَاخْتَصَّ بِهِ , كَمَا لَوْ أَتَى مَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا . قَالَ أَبُو إسْحَاقَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ , لَوْ أَمْكَنَنَا اتَّخَذْنَاهُ . وَقَالَ: { كَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جُمَّةٌ . } وَقَالَ: تِسْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ شَعْرٌ . وَقَالَ: عَشَرَةٌ لَهُمْ جُمَمٌ . وَقَالَ: فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ { إنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ . وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: إلَى مَنْكِبَيْهِ . } وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ , قَالَ: { مَا رَأَيْت مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ , عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { رَأَيْت ابْنَ مَرْيَمَ لَهُ لِمَّةٌ } . قَالَ الْخَلَّالُ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى - يَعْنِي ثَعْلَبًا - عَنْ اللِّمَّةِ ؟ فَقَالَ: مَا أَلَمَّتْ بِالْأُذُنِ . وَالْجُمَّةُ: مَا طَالَتْ . وَقَدْ ذَكَرِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي حَدِيثِهِ: { أَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ } , وَقَدْ سَمَّاهُ لِمَّةً . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شَعْرُ الْإِنْسَانِ عَلَى صِفَةِ شَعْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذَا طَالَ فَإِلَى مَنْكِبَيْهِ , وَإِنْ قَصُرَ فَإِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ . وَإِنْ طَوَّلَهُ فَلَا بَأْسَ , نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ وَعُثْمَانُ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ . وَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ , فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: ذُبَابٌ ذُبَابٌ . فَرَجَعْتُ فَجَزَزْته , ثُمَّ أَتَيْته مِنْ الْغَدِ , فَقَالَ: لَمْ أَعْنِك } , وَهَذَا حَسَنٌ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَيُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَإِكْرَامُهُ , لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ { مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .