فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 743

حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا . قَالُوا: فَفِي الْحَدِيثِ أَمْرُهُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ الْكُفَّارَ إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْأَمْصَارِ وَإِلَّا فَإِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُهَاجِرُوا كَانُوا كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْرَابُ عَامَّتُهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دَعَا إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَنْ حَاصَرَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ . وَالْحُصُونُ كَانَتْ بِالْيَمَنِ كَثِيرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِمْ مُشْرِكُونَ وَأَهْلُ كِتَابٍ وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدَّ لَهُ معافريا وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ آمَنُوا كَمَا آمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَدَّى الْجِزْيَةَ . وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا وَأَسْلَمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ طَوْعًا وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِخَيْبَرِ ؛ بَلْ حَارَبَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَقَرَّ الْيَهُودُ بِخَيْبَرِ فَلَّاحِينَ بِلَا جِزْيَةٍ إلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُهَادِنِينَ لَهُ وَكَانُوا فَلَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فَأَقَرَّهُمْ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بِإِجْلَائِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقِيلَ: هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ أَجْلَوْهُمْ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ . وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ مُشْرِكٍ قَالَ: إنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ وَالْمُشْرِكُونَ مَوْجُودُونَ فَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْعَرَبَ بِحُكْمِ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَصَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا خَصَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِقَوْلِهِ: { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } . وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا تَسْتَطِيبُهُ . فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَلَكِنْ الخرقي وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَافَقُوا الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَأَمَّا أَحْمَد نَفْسُهُ فَعَامَّةُ نُصُوصِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِطَابَةِ الْعَرَبِ وَلَا بِاسْتِخْبَاثِهِمْ ؛ بَلْ كَانُوا يَسْتَطِيبُونَ أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا اللَّهُ ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ ؛ وَالْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ ؛ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ ؛ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ ؛ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَانُوا - بَلْ خِيَارُهُمْ - يَكْرَهُونَ أَشْيَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ حَتَّى لَحْمَ الضَّبِّ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُهُ وَقَالَ: { لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ } وَقَالَ مَعَ هَذَا:"إنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمِ"وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ وَقَالَ فِيهِ:"لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ". وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الطَّيِّبَاتُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ مَا كَانَ نَافِعًا لِآكِلِهِ فِي دِينِهِ وَالْخَبِيثُ مَا كَانَ ضَارًّا لَهُ فِي دِينِهِ . وَأَصْلُ الدِّينِ الْعَدْلُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ بِإِقَامَتِهِ فَمَا أَوْرَثَ الْأَكْلَ بَغْيًا وَظُلْمًا حَرَّمَهُ كَمَا حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ . لِأَنَّهَا بَاغِيَةٌ عَادِيَةٌ وَالْغَاذِي شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذِي فَإِذَا تَوَلَّدَ اللَّحْمُ مِنْهَا صَارَ فِي الْإِنْسَانِ خُلُقُ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ . وَكَذَلِكَ الدَّمُ يَجْمَعُ قُوَى النَّفْسِ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ فَإِذَا اغْتَذَى مِنْهُ زَادَتْ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ عَلَى الْمُعْتَدِلِ وَلِهَذَا لَمْ يَحْرُمْ مِنْهُ إلَّا الْمَسْفُوحُ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ . وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ يُورِثُ عَامَّةَ الْأَخْلَاقِ الْخَبِيثَةِ ؛ إذْ كَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت