هَلْ يَخْتَصُّ بِنَوْعِ السَّبَبِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ؟ وَأَمَّا بِعَيْنِ السَّبَبِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ آيَاتِ الطَّلَاقِ أَوْ الظِّهَارِ أَوْ اللِّعَانِ أَوْ حَدَّ السَّرِقَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ . وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي مُعَيَّنٍ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ فَيُرِيدُ أَنْ يُنَقِّحَ مَنَاطَ الْحُكْمِ لِيَعْلَمَ النَّوْعَ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا { أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ بِالْكَفَّارَةِ } وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا أَوْ عَرَبِيًّا أَوْ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَتَهُ لَا أَثَرَ لَهُ فَلَوْ وَطِئَ الْمُسْلِمُ الْعَجَمِيُّ سُرِّيَّتَهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ . وَلَكِنْ هَلْ الْمُؤَثِّرُ فِي الْكَفَّارَةِ كَوْنُهُ مُجَامِعًا فِي رَمَضَانَ أَوْ كَوْنُهُ مُفْطِرًا ؟ فَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالثَّانِي مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ عَنْ أَحْمَد فِي الْحِجَامَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى ثُمَّ مَالِكٌ يَجْعَلُ الْمُؤَثِّرَ جِنْسَ الْمُفْطِرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُهَا الْمُفْطِرَ كَتَنَوُّعِ جِنْسِهِ فَلَا يُوجِبُهُ فِي ابْتِلَاعِ الْحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ . وَتَنَازَعُوا هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَفْسَدَ صَوْمًا صَحِيحًا ؟ وَأَحْمَد لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ ؛ بَلْ كُلُّ إمْسَاكٍ وَجَبَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ كَمَا يُوجِبُ الْأَرْبَعَةُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ فَالصِّيَامُ الْفَاسِدُ عِنْدَهُ كَالْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ كِلَاهُمَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَالْمُضِيُّ فِيهِ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُوجِبُونَهَا إلَّا فِي صَوْمٍ صَحِيحٍ وَالنِّزَاعُ فِيمَنْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ أَوْ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ ثُمَّ جَامَعَ وَمَنْ جَامَعَ وَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ . وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي جُبَّةٍ مُتَضَمِّخًا بِالْخَلُوقِ: { انْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الصُّفْرَةِ } هَلْ أَمَرَهُ بِالْغَسْلِ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ لَا يَسْتَدِيمُ الطِّيبَ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ ؟ أَوْ لِكَوْنِهِ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ كَقَوْلِ الثَّلَاثَةِ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِتَطْيِيبِ عَائِشَةَ لَهُ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ؟ وَمِثْلَ { قَوْلِهِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ } هَلْ الْمُؤَثِّرُ عَدَمُ التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِكَوْنِهِ جَامِدًا أَوْ كَوْنُهَا فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَائِعَاتِ ؟ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الشَّرَائِعِ وَلَا يُسَمَّى قِيَاسًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ ونفاة الْقِيَاسِ ؛ لِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ: أَنْ يُعَلِّقَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ فَيَنْظُرُ فِي ثُبُوتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ أَوْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ كَأَمْرِهِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَكَأَمْرِهِ بِاسْتِشْهَادِ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِنَا مِمَّنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ وَكَتَحْرِيمِهِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ ؛ وَكَفَرْضِهِ تَحْلِيلَ الْيَمِينِ بِالْكَفَّارَةِ وَكَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالطَّلَاقِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ: هَلْ هِيَ خَمْرٌ وَيَمِينٌ وَمَيْسِرٌ وَفِدْيَةٌ أَوْ طَلَاقٌ ؟ وَفِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ: هَلْ هِيَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ ؟ وَهَلْ هَذَا الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ ؟ وَهَذَا الشَّخْصُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ ؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِيمَا يَتْبَعُونَهُ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ . وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَمْثِيلِ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ وَإِدْرَاجِ الْجُزْئِيِّ تَحْتَ الْكُلِّيِّ وَذَاكَ يُسَمَّى قِيَاسَ التَّمْثِيلِ ؛ وَهَذَا يُسَمَّى قِيَاسَ الشُّمُولِ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ الْجَامِعَ ؛ وَالْمَنَاطَ ؛ وَالْعِلَّةَ ؛ وَالْأَمَارَةَ ؛ وَالدَّاعِي وَالْبَاعِثَ ؛