فَلَمَّا ظَهَرَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَوِيَ مَا قَوِيَ مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ؛ كَانَ مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ: مَا ظَهَرَ مِنْ اسْتِيلَاءِ الجهمية ؛ وَالرَّافِضَةِ ؛ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَتَقْرِيبِ الصَّابِئَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ . وَذَلِكَ بِنَوْعِ رَأْيٍ يَحْسَبُهُ صَاحِبُهُ عَقْلًا وَعَدْلًا وَإِنَّمَا هُوَ جَهْلٌ وَظُلْمٌ إذْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ ؛ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ أَعْظَمُ الظُّلْمِ وَطَلَبُ الْهُدَى عِنْدَ أَهْلِ الضَّلَالِ أَعْظَمُ الْجَهْلِ فَتَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ مِحْنَةُ الجهمية حَتَّى اُمْتُحِنَتْ الْأُمَّةُ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَالتَّكْذِيبِ بِكَلَامِ اللَّهِ وَرُؤْيَتِهِ وَجَرَى مِنْ مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مَا جَرَى مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ . وَكَانَ فِي أَيَّامِ"الْمُتَوَكِّلِ"قَدْ عَزَّ الْإِسْلَامُ حَتَّى أُلْزِمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ ؛ وَأُلْزِمُوا الصَّغَارَ فَعَزَّتْ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَقُمِعَتْ الجهمية وَالرَّافِضَةُ وَنَحْوُهُمْ . وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ"الْمُعْتَضِدِ"وَالْمَهْدِيِّ وَالْقَادِرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ الَّذِينَ كَانُوا أَحْمَد سِيرَةً وَأَحْسَنَ طَرِيقَةً مِنْ غَيْرِهِمْ . وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِمْ أَعَزَّ وَكَانَتْ السُّنَّةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَفِي دَوْلَةِ"بَنِي بويه"وَنَحْوِهِمْ: الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ أَصْنَافُ الْمَذَاهِبِ الْمَذْمُومَةِ . قَوْمٌ مِنْهُمْ زَنَادِقَةٌ وَفِيهِمْ قَرَامِطَةٌ كَثِيرَةٌ وَمُتَفَلْسِفَةٌ وَمُعْتَزِلَةٌ وَرَافِضَةٌ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فِيهِمْ غَالِبَةٌ عَلَيْهِمْ . فَحَصَلَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ الْوَهْنِ مَا لَمْ يُعْرَفْ حَتَّى اسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى ثُغُورِ الْإِسْلَامِ وَانْتَشَرَتْ الْقَرَامِطَةُ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَرَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ . وَلَمَّا كَانَتْ مَمْلَكَةُ مَحْمُودِ بْنِ سبكتكين مِنْ أَحْسَنِ مَمَالِكِ بَنِي جِنْسِهِ: كَانَ الْإِسْلَامُ وَالسُّنَّةُ فِي مَمْلَكَتِهِ أَعَزَّ فَإِنَّهُ غَزَا الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ وَنَشَرَ مِنْ الْعَدْلِ مَا لَمْ يَنْشُرْهُ مِثْلُهُ . فَكَانَتْ السُّنَّةُ فِي أَيَّامِهِ ظَاهِرَةً وَالْبِدَعُ فِي أَيَّامِهِ مَقْمُوعَةً . وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ"نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ"الَّذِي كَانَ بِالشَّامِ ؛ عَزَّ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِهِ وَذَلَّ الْكُفَّارُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِمَّنْ كَانَ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الرَّافِضَةِ والجهمية وَنَحْوِهِمْ . وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ مِنْ خِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَوِزَارَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ لَهُمْ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَمْثَلِ وُزَرَاءِ الْإِسْلَامِ . وَلِهَذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْعِنَايَةِ بِالْإِسْلَامِ وَالْحَدِيثِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ . وَمَا يُوجَدُ مِنْ إقْرَارِ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى بَنِي جِنْسِهِمْ بِالضَّلَالِ وَمِنْ شَهَادَةِ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ ؛ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَهُ هَذَا الْمَوْضِعُ وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ مِنْ رُجُوعِ أَئِمَّتِهِمْ إلَى مَذْهَبِ عُمُومِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَجَائِزِهِمْ كَثِيرٌ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَا يُرْجَعُ مِنْهُمْ أَحَدٌ لِأَنَّ"الْإِيمَانَ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ"وَكَذَلِكَ مَا يُوجَدُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ بِالسَّلَامَةِ وَالْخَلَاصِ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ وَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ لِأَهْلِ الْبِدَعِ إلَّا بِالضَّلَالِ . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ الْمُتَقَابِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ تَشْهَدُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَصْلَحُ مِنْ الْآخَرِينَ وَأَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ فَنَجِدُ كَلَامَ أَهْلِ النِّحَلِ فِيهِمْ وَحَالَهُمْ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِ أَهْلِ الْمِلَلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَحَالَهُمْ مَعَهُمْ . وَإِذَا قَابَلْنَا بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ - أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ - فَاَلَّذِي يَعِيبُ بَعْضَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْجَمَاعَةِ بِحَشْوِ الْقَوْلِ: إنَّمَا يَعِيبُهُمْ بِقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ ؛ أَوْ بِقِلَّةِ الْفَهْمِ . أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبِأَنْ يَحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَوْ مَوْضُوعَةٍ ؛ أَوْ بِآثَارِ لَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِأَنْ لَا يَفْهَمُوا مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ . وَالْأَمْرُ رَاجِعٌ إلَى شَيْئَيْنِ: - إمَّا زِيَادَةُ أَقْوَالٍ غَيْرِ مُفِيدَةٍ يُظَنُّ