فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 743

رُبُوبِيَّتِهِ وَمِنْ جِهَةِ إلَهِيَّتِهِ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ . وَالْإِنْسَانُ يُذْنِبُ دَائِمًا فَهُوَ فَقِيرٌ مُذْنِبٌ ، وَرَبُّهُ تَعَالَى يَرْحَمُهُ وَيَغْفِرُ لَهُ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فَلَوْلَا رَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ: لَمَا وُجِدَ خَيْرٌ أَصْلًا ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَوْلَا مَغْفِرَتُهُ لَمَا وَقَى الْعَبْدُ شَرَّ ذُنُوبِهِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ دَائِمًا إلَى حُصُولِ النِّعْمَة ، وَدَفْعِ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَلَا تَحْصُلُ النِّعْمَةُ إلَّا بِرَحْمَتِهِ ، وَلَا يَنْدَفِعُ الشَّرُّ إلَّا بِمَغْفِرَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا سَبَبَ لِلشَّرِّ إلَّا ذُنُوبُ الْعِبَادِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَاتِ: مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ مِنْ الْمَصَائِبِ وَبِالْحَسَنَاتِ: مَا يَسُرُّهُ مِنْ النِّعَمِ . كَمَا قَالَ: { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ } فَالنِّعَمُ وَالرَّحْمَةُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا وَجُودًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَلَيْهِ حَقٌّ لِعِبَادِهِ ، فَذَلِكَ الْحَقُّ هُوَ أَحَقُّهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَخْلُوقِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ . وَالْمَصَائِبُ: بِسَبَبِ ذُنُوبِ الْعِبَادِ وَكَسْبِهِمْ . كَمَا قَالَ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } . وَالنِّعَمُ وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ طَاعَاتٍ يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ فَيُثِيبُهُ عَلَيْهَا: فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُنْعِمُ . بِالْعَبْدِ وَبِطَاعَتِهِ وَثَوَابِهِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَبْدُ وَجَعَلَهُ مُسْلِمًا طَائِعًا ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } وَقَالَ: { وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } وَقَالَ: { اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ } وَقَالَ: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْلِمًا وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلَاةِ . وَقَالَ: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } الْآيَةَ: قَالَ فِي آخِرِهَا: { فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً } . وَفِي صَحِيحِ أَبِي داود وَابْنِ حِبَّانَ: { اهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ ، قَابِلِيهَا ، وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا } وَفِي الْفَاتِحَةِ: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي رَوَاهُ الطبراني عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِمَّا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: { اللَّهُمَّ إنَّكَ تَسْمَعُ كَلَامِي ، وَتَرَى مَكَانِي ، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي ، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ ، الْمُقِرُّ بِذَنْبِهِ ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ ، مَنْ خَضَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ ، وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَكُنْ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ ، وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ } . وَلَفْظُ الْعَبْدِ فِي الْقُرْآنِ: يَتَنَاوَلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهِ ، فَأَمَّا عَبْدٌ لَا يَعْبُدُهُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ عَبْدِهِ . كَمَا قَالَ: { إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } وَأَمَّا قَوْلُهُ { إلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ ، كَمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْعُلَمَاءِ ، وَقَوْلُهُ: { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ } { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ } و { نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ } { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } { فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا } { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } { إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } { فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } . وَنَحْوَ هَذَا كَثِيرٌ . وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْعَبْدِ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا ، كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت