فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 743

ب - وَقِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَهُمْ , فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ . فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ , وَالْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا يَسْقُطُ عَنْهُمْ , وَلَا تَصِيرُ الدَّارُ دَارَ إسْلَامٍ , وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ وَلَهُمْ بَيْعُهَا , وَرَهْنُهَا , وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا , وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ , وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ , لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ , وَلَهُمْ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا , لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَلَيْسَتْ دَارَ إسْلَامٍ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا , وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ فِيهَا كَالْخَمْرِ , وَالْخِنْزِيرِ , وَضَرْبِ النَّاقُوسِ , وَلَا يُمْنَعُونَ إلَّا مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِيوَاءِ جَاسُوسٍ , وَنَقْلِ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْأَعْدَاءِ , وَسَائِرِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ . وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا عَقَدَ الْعَهْدَ مَعَ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْ تُجْرَى فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إسْلَامٍ , وَصَارُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ , وَإِذَا طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُوَادَعَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ لَا تَجْرِيَ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ فِي دَارِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ , إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ , فَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي عَقْدِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ جَازَ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ , وَهِيَ ضَرُورَةُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ بِأَنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَبِالْكَفَرَةِ قُوَّةُ الْمُجَاوَزَةِ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ , فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ , لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ تَرْكُ الْقِتَالِ الْمَفْرُوضِ , فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي حَالٍ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْقِتَالِ , لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ قِتَالًا مَعْنًى , قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ مَعَكُمْ } وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِهِ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ عَشْرَ سِنِينَ } . وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْإِمَامِ بِالْمُوَادَعَةِ , حَتَّى لَوْ وَادَعَهُمْ فَرِيقٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُمْ , لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ كَوْنُ عَقْدِ الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ حَرْبٍ , فَإِذَا صَالَحَهُمْ , فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَاطَ مَعَ الْجَيْشِ بِبِلَادِهِمْ فَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عَلَى الصُّلْحِ يَكُونُ غَنِيمَةً يُخَمِّسُهَا , وَيَقْسِمُ الْبَاقِي عَلَى الْجَيْشِ , لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِقُوَّةِ السَّيْفِ , فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِسَاحَتِهِمْ , وَأَرْسَلُوا إلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْمُوَادَعَةَ بِالْمَالِ , فَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ , لَا خُمُسَ فِيهِ , بَلْ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْجِزْيَةِ .

الْأَمَانُ لِأَهْلِ دَارِ الْعَهْدِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت