لقد كانوا يقولون كما قال ربعي بن عامر , وحذيفة بن محصن , والمغيرة بن شعبة , جميعًا لرستم قائد جيش الفرس في القادسية , وهو يسألهم واحدًا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية , قبل المعركة:ما الذي جاء بكم ? فيكون الجواب:الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . ومن ضيق الدنيا إلى سعتها . ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام . . فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه, فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه, وتركناه وأرضه. ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر". (1) "
لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم, وليقيم عالمًا آخر, يقر فيه سلطان الله وحده, ويبطل سلطان الطواغيت. عالمًا يعبد فيه الله وحده - بمعني"العبادة"الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد. عالمًا يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . عالمًا يولد فيه"الإنسان"الحر الكريم النظيف . . المتحرر من شهوته وهواه , تحرره من العبودية لغير الله .
جاء هذا الدين ليقيم قاعدة:"أشهد أن لا إله إلا الله"التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلولا لا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر, كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء . فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره , وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته . .
وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكًا في خلق الكون وتدبيره وتصريفه ; ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلاّ لله وحده. ولا يتلقى الشرائع والقوانين , والقيم والموازين , والعقائد والتصورات إلا من الله , ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله . (2)
وأول ما بدأ به أصحابه قتال المرتدين في عهد الصديق رضي الله عنه، ثم بعد ذلك أرسل الصديق رضي الله عنه جيوشا لفتح العراق وفارس وجيوشا لفتح الشام وغيرها - يعني قتال فارس والروم -
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حدثني صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رضي اللَّهُ عَنْهُ يَزِيدَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ عَلَى رُبْعٍ مِنَ الأَرْبَاعِ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ رضي اللَّهُ عَنْهُ مَعَهُ يُوصِيهِ وَيَزِيدُ رَاكِبٌ وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِى فَقَالَ يَزِيدُ: يَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إني أَحْتَسِبُ خطاي هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَا يَزِيدُ إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ بِلاَدًا تُؤْتَوْنَ فِيهَا بِأَصْنَافٍ مِنَ الطَّعَامِ فَسَمُّوا اللَّهَ عَلَى أَوَّلِهَا وَاحْمَدُوهُ عَلَى آخِرِهَا وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ في هَذِهِ الصَّوَامِعِ فَاتْرُكُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا لَهُ أَنْفُسَهَمْ وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدِ اتَّخَذَ الشَّيْطَانُ عَلَى رُؤوسِهِمْ مَقَاعِدَ يَعْنِى الشَّمَامِسَةَ فَاضْرِبُوا تِلْكَ الأَعْنَاقَ وَلاَ تَقْتُلُوا كَبِيرًا هَرِمًا وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ وَلِيدًا وَلاَ تُخَرِّبُوا عُمْرَانًا وَلاَ تَقَطَّعُوا شَجَرَةً إِلاَّ لِنَفْعٍ وَلاَ تَعْقِرَنَّ بَهِيمَةً إِلاَّ لِنَفْعٍ وَلاَ تُحْرِقَنَّ نَحْلًا وَلاَ تُغْرِقَنَّهَ وَلاَ تَغْدِرْ وَلاَ تُمَثِّلْ وَلاَ تَجْبُنْ وَلاَ تْغَّلُلُ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَأُقْرِئُكَ السَّلاَمَ ثُمَّ انْصَرَفَ. ( أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ) (3)
ولم يتمَّ فتح الشام والعراق إلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فكان يزودهم بالتعليمات المطلوبة ، فينفذونها بحذافيرها ، ومنها ما يسمى بالشروط العمرية ، والتي رواها أهل الشام خاصة لأنها قد حدثت بالشام، وقد عملت بها الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل لأن فيها تفصيلًا كاملًا لأحكام أهل الذمة في الإسلام
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (4)
(1) -تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 268) و موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - (ج 11 / ص 318)
(2) -في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 178)
(3) - السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 9 / ص 90) برقم (18614) وهو صحيح رسل
(4) -مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 445)