فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 743

22 -يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ كُلَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ - أَيْ زَكَوِيَّةٌ - لَا يُؤْخَذُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْخُذْ الْخَرَاجَ مِنْ أَرَاضِي الْعَرَبِ . قَالُوا: وَلِأَنَّهُ - أَيْ الْخَرَاجَ - بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ , فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ , كَمَا لَا تَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْخَرَاجِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى الْكُفْرِ , كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ , وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ . وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا مِمَّا كَانَ مَعْمُورًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمْ كَانَ مَوَاتًا وَأُحْيِيَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ: أَرْضُ الْعَرَبِ مُخَالِفَةٌ لِأَرْضِ الْأَعَاجِمِ , مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعَرَبَ إنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ , لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ . فَإِنْ عَفَا لَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ بِلَادِهِمْ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ . وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ , أَوْ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ , أَخَذُوا مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ جِزْيَةً , إنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ . وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ تَحْوِيلُ أَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ الْعُشْرِ إلَى الْخَرَاجِ . يَقُولُ: أَرْضُ الْحِجَازِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَأَرْضُ الْيَمَنِ , وَأَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي افْتَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَقَدْ بَلَغَنَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم افْتَتَحَ حُصُونًا مِنْ الْأَرْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا الْعُشْرَ , وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا خَرَاجًا } . وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تِلْكَ الْأَرْضِينَ , أَلَا تَرَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ كَذَلِكَ ؟ أَوَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ حُكْمُهُمْ الْقَتْلُ أَوْ الْإِسْلَامُ , وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ؟ وَهَذَا خِلَافُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ أَرْضُ الْعَرَبِ . وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يُرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ - وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيًّا . فَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهَا خَرَاجًا , وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعُشْرَ فِي السَّيْحِ , وَنِصْفَ الْعُشْرِ فِي الدَّالِيَةِ . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ , فَإِنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ مَا سِوَى الْحِجَازِ , وَالثَّانِي الْحِجَازُ . فَمَا سِوَى الْحِجَازِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْبِلَادِ . وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ , أَنَّ أَرْضَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:

1 -مَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ , فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ .

2 -مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ , فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ كَذَلِكَ .

3 -مَا فُتِحَ عَنْوَةً , وَلَمْ يَقِفْهُ الْإِمَامُ , بَلْ قَسَمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ , فَيَكُونُ فِيهِ الْعُشْرُ كَذَلِكَ .

4 -مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ , فَيُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجٌ , وَهُوَ قِسْمَانِ . الْأَوَّلُ: مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَنْهُ , فَيَكُونُ خَرَاجُهُ أُجْرَةً , لَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهِ . فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ . وَالثَّانِي: مَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهِ , فَيَكُونُ خَرَاجُهُ جِزْيَةً , تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ , فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت