فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 60

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً ، فَقُتِلَ ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي ، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا ، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا ، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ" [1]

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَدِمْتُ وَافِدًا مَعَ وَفْدِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:"مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ". [2]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا , وَيُؤَخِّرُونَ عَنْ وَقْتِهَا ، فَمَا صَلُّوهَا لِوَقْتِهَا وَصَلَّيْتُمُوهَا مَعَهُمْ فَلَكُمْ وَلَهُمْ ، وَمَا أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا , فَصَلَّيْتُمُوهَا مَعَهُمْ , فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ ، وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ خَلَعَ رَبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ ، وَمَنْ مَاتَ نَاكِثًا الْعَهْدَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ" [3]

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً". قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفِرْقَةُ ؟ قَالَ:"مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي" [4]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَصَابَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ , وَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْفُرْقَةِ فَأَصَابَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"قَالَ الشَّيْخُ: فَالْإِصَابَةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَوْفِيقٌ وَرِضْوَانٌ , وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ عَفْوٌ وَغُفْرَانٌ [5]

وَبَابُ الْفَسَادِ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ . بَلْ وَفِي غَيْرِهَا: هُوَ التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ فَإِنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ أُمَرَائِهَا وَعُلَمَائِهَا مِن مُلُوكِهَا وَمَشَايِخِهَا وَغَيْرِهِمْ مِن ذَلِكَ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ . وَإِنْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ مَغْفُورًا لِصَاحِبِهِ لِاجْتِهَادِهِ الَّذِي يُغْفَرُ فِيهِ خَطَؤُهُ أَوْ لِحَسَنَاتِهِ الْمَاحِيَةِ أَوْ تَوْبَتِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لَكِنْ يُعْلَمُ أَنَّ رِعَايَتَهُ مِن أَعْظَمِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا كَانَ امْتِيَازُ أَهْلِ النَّجَاةِ عَن أَهْلِ الْعَذَابِ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ،وَيَذْكُرُونَ فِي كَثِيرٍ مِن السُّنَنِ وَالْآثَارِ فِي ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ . وَكَانَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ .

إذَا تَبَيَّنَ بَعْضُ مَا حَصَلَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ مِن الْفَسَادِ فَنَحْنُ نَذْكُرُ طَرِيقَ زَوَالِ ذَلِكَ وَنَذْكُرُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي الدِّينِ فِي هَذِهِ الْمُنَازَعَاتِ وَذَلِكَ بِبَيَانِ الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا"السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ"الْمَدْلُولُ عَلَيْهِمَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ إذَا اُتُّبِعَ كِتَابُ اللَّهِ وَمَا تَضَمَّنَهُ مِن اتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ جَمِيعًا حَصَلَ الْهُدَى وَالْفَلَاحُ وَزَالَ الضَّلَالُ وَالشَّقَاءُ . أَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ"الْجَمَاعَةُ"وَبَدَأْنَا بِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ عِنْدَ عُمُومِ الْخَلْقِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يَظُنُّونَهُ مِن مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .

فَنَقُولُ: عَامَّةُ هَذِهِ التَّنَازُعَاتِ إنَّمَا هِيَ فِي أُمُورٍ مُسْتَحَبَّاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ لَا فِي وَاجِبَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا حَجَّ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا كَانَ حَجُّهُ مُجْزِئًا عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الْأَفْضَلِ مِن ذَلِكَ وَلَكِنَّ بَعْضَ الْخَارِجِينَ عَن الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ أَوْ يَمْنَعُ ذَلِكَ ..

وَكَذَلِكَ الْأَذَانُ سَوَاءٌ رَجَّعَ فِيهِ أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ فَإِنَّهُ أَذَانٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَعَامَّةِ خَلَفِهَا وَسَوَاءٌ رَبَّعَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ ثَنَّاهُ ،وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ شَوَاذِّ الْمُتَفَقِّهَةِ ..

وَكَذَلِكَ الْإِقَامَةُ يَصِحُّ فِيهَا الْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ بِأَيِّهَا أَقَامَ صَحَّتْ إقَامَتُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إلَّا مَا تَنَازَعَ فِيهِ شُذُوذُ النَّاسِ .

وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْمُخَافَتَةِ كِلَاهُمَا جَائِزٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مِن الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ أَحَدَهُمَا أَوْ يَكْرَهُ الْآخَرَ أَوْ يَخْتَارُ أَنْ لَا يَقْرَأَ بِهَا .

فَالْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَبِّ وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ بِأَحَدِهِمَا جَائِزَةٌ عِنْدَ عَوَامِّ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَنَازَعُوا بِالْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي مَوْضِعِهِمَا هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا فَهَذَا فِي الْجَهر الطَّوِيلِ بِالْقَدْرِ الْكَثِيرِ مِثْلَ الْمُخَافَتَةِ بِقُرْآنِ الْفَجْرِ وَالْجَهْرُ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ .

فَأَمَّا الْجَهْرُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَوْ الْمُخَافَتَةُ بِهِ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُبْطِلَ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ . فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِى الأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِى الثَّانِيَةِ ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِى الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِى الأُولَى ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ ، وَيُقَصِّرُ فِى الثَّانِيَةِ [6]

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ قَالَ كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّى وَرَاءَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: « سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » . قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: « مَنِ الْمُتَكَلِّمُ » . قَالَ أَنَا . قَالَ: « رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ » [7] .

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْلَا جَهْرُهُ بِهَا لَمَا سَمِعَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا الرَّاوِي . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمَأْمُومِ الْمُخَافَتَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ [8] . .

وَهَذَا فِعْلُهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . وَالسُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ فِيهِ الْمُخَافَتَةُ، وَكَذَلِكَ كَانَ مِن الصَّحَابَةِ مَنْ يَجْهَرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ .

و عن شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ: حَضَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِنَا عَلَى جِنَازَةٍ بِالْأَبْوَاءِ وَكَبَّرَ ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِهَا ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، أَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ ، وَأَصْبَحْتَ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِهِ ، يُخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا ، إِنْ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ"، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ:"أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَمْ أَقْرَأْ عَلَنًا إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ" [9] .

وَأَيْضًا فَلَا نِزَاعَ أَنَّهُ كَانَ مِن الصَّحَابَةِ مَنْ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِ وَمِنهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا كَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَتَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبْطِلْ أَحَدٌ مِنهُمْ صَلَاةَ أَحَدٍ فِي ذَلِكَ . [10]

وَهَذَا مِمَّا لَمْ أَعْلَمِ فِيهِ نِزَاعًا وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا فَتِلْكَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى . وَكَذَلِكَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ إنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ فِي اسْتِحْبَابِهِ أَوْ كَرَاهِيَتِهِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِتَرْكِهِ أَوْ فِعْلِهِ، وَإِلَّا فَعَامَّتُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ إذْ هُوَ تَطْوِيلٌ يَسِيرٌ لِلِاعْتِدَالِ وَدُعَاءِ اللَّهِ فِي هَذَا في هذا الموضع ، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء ، فيما أعلم .

وكذلك القنوتُ في الوتر هل هو في جميع الأحوال أو النصف الآخر من رمضان ؟ إنما هو في الاستحباب ، إذ لا نزاع أنه لا يجبُ القنوت ، ولا تبطل الصلاة به ، وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده .

وكذلك التسليمة الثانية هل هي مشروعة في الصلاة الكاملة والناقصة أو في الكاملة فقط ، أم ليست مشروعة ، هو نزاع في الاستحباب ، لكن عن الإمام أحمد رواية أن التسليمة الثانية واجبة في الصلاة الكاملة ، إما وجوب الأركان أو وجوب ما يسقط بالسهو على نزاع في ذلك ، والرواية الأخرى الموافقة للجمهور أنها مستحبة في الصلاة الكاملة .

وكذلك تكبيرات العيد الزوائد ، إنما النزاع في المستحب منها ، وإلا فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله ، وكذلك أنواع التشهدات كلها جائز ما أعلم في ذلك خلافًا ،إلا خلافًا شاذًّا ، وإنما النزاع في المستحب .

وكذلك أنواع الاستفتاح في الصلاة ، وأصلُ الاستفتاح إنما النزاع في استحبابه ، وفي أي الأنواع أفضل ، والخلاف في وجوبه خلاف قليل ،يذكر قولا في مذهب الإمام أحمد .

وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِمَ الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه ، ويكون ذلك بمنزلة القراآت في القرآن ، فإن جميعها جائز - وهو ما يسمَّى اختلاف التنوع - ، وإن كان من الناس من يختار بعض القراآت على بعض ، وبهذا يزول الفساد المتقدم ، فإنه إذا عُلم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة ، لم يكن النزاع في الاختيار ضارًّا، بل قد يكون النوعان سواء ، وإن رجَّح بعض الناس بعضها ، ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يظلم من يختار المفضول ، ولا يذمُّ ، ولا يعابُ بإجماع المسلمين ، بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمُّه بإجماع المسلمين ، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة ، ولا أن يعطى المستحبُّ فوق حقِّه ، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور أخرى واجبة ومستحبة أفضل بكثير ، ولا يجوز أن تجعل المستحباتُ بمنزلة الواجبات ، بحيث يمتنع الرجل من تركها ، ويرى أنه قد خرج من دينه ، وعصى الله ورسوله ،بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجحٍ أفضلُ من فعلها ، بل الواجبات كذلك ،ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظمُ في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرءُ لائتلاف القلوب كان ذلك حسنًا ، وذلك أفضلُ إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب ، وقد أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ - أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ - لأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأَرْضِ وَلأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنَ الْحِجْرِ » [11] .

وقد احتجَّ بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يترك بعض الأمور المختارة ، لأجل تأليف القلوب ودفعها لنفرتها ، فقد عنون له ب بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ""

قال النووي:"وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوَاعِد مِن الْأَحْكَام مِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِح أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَة وَمَفْسَدَة وَتَعَذَّرَ الْجَمْع بَيْن فِعْل الْمَصْلَحَة وَتَرْك الْمَفْسَدَة بُدِئَ بِالْأَهَمِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَة وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم - صلى الله عليه وسلم - مَصْلَحَة ، وَلَكِنْ تُعَارِضهُ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَهِيَ خَوْف فِتْنَة بَعْض مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ فَضْل الْكَعْبَة ، فَيَرَوْنَ تَغْيِيرهَا عَظِيمًا ، فَتَرَكَهَا - صلى الله عليه وسلم - ."

وَمِنْهَا فِكْر وَلِي الْأَمْر فِي مَصَالِح رَعِيَّته ، وَاجْتِنَابه مَا يَخَاف مِنْهُ تَوَلُّد ضَرَر عَلَيْهِمْ فِي دِينَ أَوْ دُنْيَا إِلَّا الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَأَخْذِ الزَّكَاة وَإِقَامَة الْحُدُود وَنَحْو ذَلِكَ .

وَمِنْهَا: تَأَلُّف قُلُوب الرَّعِيَّة وَحُسْن حِيَاطَتهمْ وَأَلَّا يَنْفِرُوا وَلَا يَتَعَرَّض لِمَا يَخَاف تَنْفِيرهمْ بِسَبَبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَرْك أَمْر شَرْعِيّ كَمَا سَبَقَ" [12] "

وقد نصَّ الإمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح ، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة ،قال القاضي: لأن أهلها إذ ذاك كانوا يجهرون ، فيجهر بها للتأليف ، وليعلمهم أنه يقرأ بها ، وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرؤنها بحال ، فيجهر بها ليعلمهم أنه يقرأ بها ، وأنَّ قراءتها سنَّةٌ،كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة . [13]

فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته ، وبهذا يزول الشكُّ والطعن، فإن الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع ، وإجزائه عُلم أنه داخل في المشروع ، فالتنازعُ في الرجحان لا يضرُّ ، كالتنازع في بعض القراآت وبعض العبادات، ونحو ذلك ، بل قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كلا من القراء أن يقرأ كما يعلم ، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك ، فمن خالف في ذلك كان ممن ذمه الله ورسوله ، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك .

وأما الأصل الثاني ، فنقول:السنَّة المحفوظة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها من السعة والخير ما يزول به الحرج ، وإنما وقعت الشبهةُ لإشكال بعض ذلك على بعض الناس .

أما الأذان فقد ثبت في الأحاديث الصحيحين عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلاَّ الإِقَامَةَ [14] .

وفي مسند أحمد عن أبي مَحْذُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً. الأَذَانُ « اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَحِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَحِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . وَالإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى « اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَحِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . [15]

فَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِن مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ صَارَ ذَلِكَ مِثْلَ تَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ لِعُمَرِ بِحَرْفِ وَلِهُشَامِ بْنِ حَكِيمٍ بِحَرْفِ آخَرَ كِلَاهُمَا قُرْآنٌ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ يَقْرَأَ بِهِ . وَكَذَلِكَ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ هُوَ ثَابِتٌ فِي أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَهُوَ مَحْذُوفٌ مِن أَذَانِ بِلَالٍ الَّذِي رَوَوْهُ فِي السُّنَنِ ، فعَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَقْعَدَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ الأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ مِثْلَ أَذَانِنَا. قَالَ بِشْرٌ فَقُلْتُ لَهُ أَعِدْ عَلَىَّ. فَوَصَفَ الأَذَانَ بِالتَّرْجِيعِ. [16]

وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْمُخَافَتَةِ بِهَا صَحَّ الْجَهْرُ بِهَا عَن طَائِفَةٍ مِن الصَّحَابَةِ وَصَحَّتْ الْمُخَافَتَةُ بِهَا عَن أَكْثَرِهِمْ وَعَن بَعْضِهِمْ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا .

وَأَمَّا الْمَأْثُورُ عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ ؛ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا كَمَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَأُمَّتِهِ فَفِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ أَنَس وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةً بَيِّنَةً لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَفِي السُّنَنِ أَحَادِيثُ أُخَرُ: مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ حَدِيثٌ فِيهِ ذِكْرُ جَهْرِهِ بِهَا وَالْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِالْجَهْرِ عَنهُ غالبها ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجُوا فِي أُمَّهَاتِ الدَّوَاوِينِ مِنهَا شَيْئًا ، وَلَكِنْ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ أَحَادِيثُ مُحْتَمَلَةٌ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِي بِإِسْنَادِ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:كَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. [17]

(1) - مسلم (4892)

(2) - مسند أبي عوانة (5743 ) صحيح

(3) - مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ (7203) حسن لغيره وأصله في الصحيح عن أبي هريرة

(4) - الْمُعْجَمُ الْأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (5043 ) صحيح لغيره

قلت: لا يقتضي أن يكونوا كفارا ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - اعتبرهم من أمته ، فالوعيد غير لازم.

(5) - الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ (716 ) حسن

(6) - صحيح البخارى (759 )

(7) - صحيح البخارى (799 )

(8) - صحيح مسلم (918 )

(9) - الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ (1329) حسن

(10) - انظر صحيح ابن حبان - (ج 5 / ص 102) والبغوي في"شرح السنة"3/54

(11) - صحيح مسلم (3307 )

(12) - شرح النووي على مسلم - (ج 4 / ص 487)

(13) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 16 / ص 181)

(14) - صحيح البخارى (605 ) ومسلم (864)

(15) - مسند أحمد (15777) صحيح

(16) - سنن الترمذى (191 ) قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِى مَحْذُورَةَ فِى الأَذَانِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِىِّ.-الترجيع: العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت يكررها

(17) - المعجم الكبير للطبراني (10504 ,11279) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت