الخلاصة في بيان أسباب اختلاف الفقهاء
إعداد
الباحث في القرآن والسُّنَّة
علي بن نايف الشحود
(( حقوق الطبع متاحة لجميع المؤسسات العلمية والخيرية ) )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
فهذا كتاب يتمم الكتاب الأول ، وهو الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد ، فهذا الكتاب يتحدث عن أسباب اختلاف الفقهاء .
وقد كثر القيل والقال في هذه المسالة الجلل ، وتفرق المعاصرون تبعًا لمشاربهم حول موقفهم من هذا الاختلاف:
فمنهم من زعم أن سبب الاختلاف هو سبب البغي واتباع الهوى !!!
ومنهم من زعم أنه إذا كان الاختلاف رحمة فالاتفاق سخط !!
ومنهم من رد الاختلاف إلى عدم وصول الحديث للمجتهد ، فأفتى برأيه ، وغيره وصله الحديث فعمل به .
ومنهم من زعم أن سبب الاختلاف هو التعصب لشخص أو إقليم ...!!
والقلة القليلة استطاعت الغوص إلى أعماق هذا الموضوع ، فبينوا أن هناك أسبابًا موضوعية أدت إلى اختلاف الفقهاء عبر التاريخ .
ثم اختلف أولئك في موقفهم من هذا الاختلاف اختلافًا حادًّا:
فمنهم من انهال على المختلفين سبًّا وطعنًا ، متهمهم في دينهم والعياذ بالله !!
ومنهم من دعا لترك المذاهب الفقهية ، وأخذ الأحكام من القرآن والسنة مباشرة ، ومنهم من زعم أن سبب تخلف المسلمين يعود لهذا الاختلاف ، وراح يتصيد الأخبار والحكايات من هنا وهناك لبيان آثار الاختلاف السلبية وما جرته على الأمة من ويلات .
ومنهم من لتوحيد المذاهب الفقهية لتكون مذهبًا واحدًا حسما للاختلاف !!!
ومنهم من قال: نأخذ بقول الجمهور وندع قول غير الجمهور وينتهي الأمر -على طريقة المفاهيم الحديثة حول الأخذ برأي الأكثرية دون رأي الأقلية !!
ومنهم من دعا للحوار البناء بين المختلفين بغية التقارب بينهم .
ومنهم من قال إن الاختلاف أمر طبيعي ، ولكن التعصب وضيق الأفق وتبرير الأخطاء هو المذموم شرعًا .
ومنهم من قال: يجب علينا أن تعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه .
ومنهم من بهرته حضارة الغرب المادية ، فقال الحلُّ عندي: هو استيراد قوانين الغرب ، ونبذ كلام هؤلاء الفقهاء المختلفين ، لأن قوانين الغرب مقننة ولا اختلاف فيها على حدِّ زعمه .!!!
ومنهم من قال غير ذلك .
وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاكَ
وهذا الموضوع - بلا ريب - زلَّتْ فيه أقلامٌ كثرٌ ، لكثرة تشعباته ، وعدم الغوص إلى أعماقه .
وفي هذا الكتاب بيانٌ مفصَّل لأسباب اختلاف الفقهاء منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وإلى الآن .
ثم مناقشةُ الشبهات التي ذكرنا بعضًا منها ، وغيرها .
وهذا الكتاب الذي بين يدينا يشتمل على الموضوعات التالية:
تمهيد وسبعة فصول:
الفصل الأول-أسباب اختلاف الفقهاء العامة ...
الفصل الثاني-فلسفة الاختلاف بين الفقهاء
الفصل الثالث-شبهات حول أسباب الاختلاف
الفصل الرابع-قضايا منوعة أسباب اختلاف الفقهاء ...
الفصل الخامس-حال الناس منذ عهد الصحابة حتى تقليد الأئمة الأربعة
الفصل السادس-أسباب ترك بعض الفقهاء الاحتجاج بالحديث
الفصل السابع-حول أدب الاختلاف
وأخيرا خاتمة فيها خلاصة هذه الدراسة .
وأما طريقتنا في العمل فهي كما يلي:
*- نقل الأدلة من مصادرها ، فآيات القرآن كلها مشكلة ، ولكنها ليست بالرسم العثماني .
*- تخريج الأحاديث من مصادرها الرئيسة ، والحكم على الحديث بما يناسبه جرحا وتعديلًا إذا لم يكن في الصحيحين ، وفق منهج المعتدلين في الجرح والتعديل .
*- النقل من المصادر الأساسية مباشرة ، والإكثار من النقول من أجل توضيح الغامض، أو تقرير حقيقة ....
*- تغيير النصوص في المصادر المنقول منها ، سواء أكانت نصوص قرآنية ، أو أحاديث نبوية ، أو أقوال منسوبة لأشخاص ، وذلك بالرجوع لمصادرها الأساسية ، بسبب كثرة الأخطاء في النصوص الشرعية أو المنقولة عن العلماء ، وبذلك تحاشينا الكلام عن الأخطاء المطبعية أو النصية .
*- نقل ما ورد بالموسوعة الفقهية حول هذه المسائل،مع تدقيق المصادر ولاسيما الأحاديث النبوية والحكم عليها ، فقد كانت الموسوعة الفقهية في هذا الجانب قاصرة سواء في نقل النص أو الحكم عليه .
*- حاولت تحرير كثير من مواطن النزاع ، ولاسيما الشائكة منها .
*- رددت كثيرًا من الأخطاء والأوهام .
*- حاولت ضبط كثير من المسائل المختلف فيها .
*- ذكرت مصادر ما أنقله عن غيري بالهامش .
*- أسهبت في بعض المواضع ، لأهميتها ، أو بسبب غموضها والخطأ في فهمها .
فإن أصبت فمن الله تعالى وحده ، وله الفضل والمنة ، قال تعالى: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ } (53) سورة النحل.
وإن أخطأت ، فمن تقصيري ، واستغفر الله { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (286) سورة البقرة .
وكتبه
الباحث في القرآن والسُّنَّة
علي بن نايف الشحود
في السابع من جمادى الآخرة لعام 1429 هـ الموافق ل 11/6/2008م
عَن أَرْطَاةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ , قَالَ:"رُبَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمْرِ , وَكِلَاهُمَا لَهُ الْحَقُّ"قَالَ الشَّيْخُ: فَاخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ يَا أَخِي رَحِمَكَ اللَّهُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ , وَفَضَائِلِ السُّنَنِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ , وَالْمُوَفَّقُ مِنهُمْ مَأْجُورٌ , وَالْمُجْتَهِدُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ إِنْ أَخْطَأَهُ غَيْرُ مَأْزُورٍ , وَهُوَ يُحْسِنُ نِيَّتَهُ , وَكَوْنُهُ فِي جُمْلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ وَالشَّرِيعَةِ مَأْجُورٌ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ", وَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَذْهَبًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ خَالَفَ فِيهَا الْإِجْمَاعَ , وَقَعَدَ عَنهُ فِيهَا الِاتْبَاعُ , كَانَ مُنْتَهَى الْقَوْلِ بِالْعَتْبِ عَلَيْهِ: أَخْطَأْتَ لَا يُقَالُ لَهُ: كَفَرْتَ , وَلَا جَحَدْتَ وَلَا أَلْحَدْتَ , لِأَنَّ أَصْلَهُ مُوَافِقٌ لِلشَّرِيعَةِ , وَغَيْرَ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي الدِّيَانَةِ""
وعَن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ:"مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ حُمْرَ النَّعَمِ"
وعَن مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَ طَلْحَةَ الِاخْتِلَافُ قَالَ:"لَا تَقُولُوا: الِاخْتِلَافُ , وَلَكِنْ قُولُوا: السَّعَةُ"
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَن عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَصَابَ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ , وَمَن عَمِلَ لِلَّهِ فِي الْفُرْقَةِ فَأَصَابَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"
قَالَ الشَّيْخُ: فَالْإِصَابَةُ فِي الْجَمَاعَةِ تَوْفِيقٌ وَرِضْوَانٌ , وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ عَفْوٌ وَغُفْرَانٌ , وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ اخْتَلَفُوا فِي اللَّهِ وَفِي الْكَيْفِيَّةِ , وَفِي الْأَبْنِيَةِ , وَفِي الصِّفَاتِ , وَفِي الْأَسْمَاءِ , وَفِي الْقُرْآنِ , وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ , وَفِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَفِي عِلْمِ اللَّهِ , تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا" [1] "
الفصل الأول
أسباب اختلاف الفقهاء العامة
1-تعريفُ الاختلاف:
الاِخْتِلاَفُ لُغَةً: مَصْدَرُ اخْتَلَفَ . وَالاِخْتِلاَفُ نَقِيضُ الاِتِّفَاقِ . جَاءَ فِي اللِّسَانِ مَا مُفَادُهُ: اخْتَلَفَ الأَْمْرَانِ لَمْ يَتَّفِقَا . وَكُل مَا لَمْ يَتَسَاوَ فَقَدِ اخْتَلَفَ . وَالْخِلاَفُ: الْمُضَادَّةُ ، وَخَالَفَهُ إِلَى الشَّيْءِ عَصَاهُ إِلَيْهِ ، أَوْ قَصَدَهُ بَعْدَ أَنْ نَهَاهُ عَنهُ . وَيُسْتَعْمَل الاِخْتِلاَفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ الْخِلاَفُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
2-الْخِلاَفُ:
جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ ، وَنَقَلَهُ التَّهَانُوِيُّ عَن بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَوَاشِي ، التَّفْرِيقَ بَيْنَ ( الاِخْتِلاَفِ ) ( وَالْخِلاَفِ ) بِأَنَّ الأَْوَّل يُسْتَعْمَل فِي قَوْلٍ بُنِيَ عَلَى دَلِيلٍ ، وَالثَّانِي فِيمَا لاَ دَلِيل عَلَيْهِ . وَأَيَّدَهُ التَّهَانُوِيُّ بِأَنَّ الْقَوْل الْمَرْجُوحَ فِي مُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ يُقَال لَهُ خِلاَفٌ ، لاَ اخْتِلاَفٌ . قَال: وَالْحَاصِل مِنهُ ثُبُوتُ الضَّعْفِ فِي جَانِبِ الْمُخَالِفِ فِي ( الْخِلاَفِ ) ، كَمُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ ، وَعَدَمِ ضَعْفِ جَانِبِهِ فِي ( الاِخْتِلاَفِ ) [2] .
وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلاَمِ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْفَرْقِ ، بَل يَسْتَعْمِلُونَ أَحْيَانًا اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ [3] ، فَكُل أَمْرَيْنِ خَالَفَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ خِلاَفًا ، فَقَدِ اخْتَلَفَا اخْتِلاَفًا . وَقَدْ يُقَال: إِنَّ الْخِلاَفَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الاِخْتِلاَفِ . وَيَنْفَرِدُ الْخِلاَفُ فِي مُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ وَنَحْوِهِ .هَذَا وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ ( التَّنَازُعَ ) أَحْيَانَا بِمَعْنَى الاِخْتِلاَفِ .
3-الْفُرْقَةُ ، وَالتَّفَرُّقُ:
( الاِفْتِرَاقُ ) ( وَالتَّفَرُّقُ ) ( وَالْفُرْقَةُ ) بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ كُل مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَحْدَهُمْ . فَفِي الْقَامُوسِ [4] : الْفَرِيقُ الْقَطِيعُ مِنَ الْغَنَمِ ، وَالْفَرِيقَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ تَتَفَرَّقُ عَنهَا فَتَذْهَبُ تَحْتَ اللَّيْل عَن جَمَاعَتِهَا . فَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ أَخَصُّ مِنَ الاِخْتِلاَفِ .
الاِخْتِلاَفُ فِي الأُْمُورِ الاِجْتِهَادِيَّةِ ( عِلْمُ الْخِلاَفِ )
4-حَقِيقَةُ الاِخْتِلاَفِ وَأَنْوَاعُهُ:
عَلَى الْمُجْتَهِدِ تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الاِخْتِلاَفِ ، فَإِنَّ نَقْل الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةٍ لاَ خِلاَفَ فِيهَا خَطَأٌ ، كَمَا أَنَّ نَقْل الْوِفَاقِ فِي مَوْضِعِ الْخِلاَفِ لاَ يَصِحُّ [5] فَلَيْسَ كُل تَعَارُضٍ بَيْنَ قَوْلَيْنِ يُعْتَبَرُ اخْتِلاَفًا حَقِيقًا بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الاِخْتِلاَفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلاَفًا فِي الْعِبَارَةِ ، أَوِ اخْتِلاَفَ تَنَوُّعٍ ، أَوِ اخْتِلاَفَ تَضَادٍّ . وَهَذَا الأَْخِيرُ هُوَ الاِخْتِلاَفُ الْحَقِيقِيُّ .
5 -أَمَّا الاِخْتِلاَفُ فِي الْعِبَارَةِ فَأَنْ يُعَبِّرَ كُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ عَنِ الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ . مِثَال ذَلِكَ تَفْسِيرُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . قَال بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقُرْآنُ ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ الإِْسْلاَمُ . فَهَذَانِ الْقَوْلاَنِ مُتَّفِقَانِ ، لأَِنَّ دِينَ الإِْسْلاَمِ هُوَ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ . وَكَذَلِكَ قَوْل مَن قَال: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ .
6 -وَأَمَّا اخْتِلاَفُ التَّنْوِيعِ ، فَأَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الاِسْمِ الْعَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل وَتَنْبِيهِ الْمُسْتَمِعِ ، لاَ عَلَى سَبِيل الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ . مِثَال ذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى:: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (32) سورة فاطر ، ثُمَّ جَعَلَ اللهُ تَعَالى القَائِمِينَ بالقُرآنِ العَظيمِ ، هُمُ الذِينَ اصْطَفَاهُمْ مِن عِبَادِهِ ، مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، وَأَوْرَثَهُمُ الكِتَابَ . وَقَالَ تَعَالى في مَكَانٍ آخَرَ: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ لِلقِيَامِ بِالقُرآنِ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وَجَعَلَهُمْ أقسَامًا ثَلاَثَةً:
-مِنهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُفَرِّطٌ فِي فِعْلِ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ ، مُرْتَكِبٌ بَعْضَ المُحَرَّمَاتِ .
-وَمِنهُمْ مُقَتَصِدٌ ، وَهُوَ القَائِمُ بِالوَاجِبَاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّمَاتِ ، وَقَدْ يُقَصِّرُ في فِعْلِ بَعْضِ المُسْتَحَبَّاتِ ، وَيَفْعَلُ بَعْضَ المَكْرُوهَاتِ .
-وَمِنهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ - وَهُوَ الفَاعِلُ لِلْوَاجِبَاتِ ، وَالمُسْتَحَبَّاتِ ، التَّارِكُ لِلْمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهَاتِ .
وَذَلِكَ المِيرَاثُ ، وَذَلِكَ الاصْطِفَاءُ ، فَضْلٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ لاَ يُقَدَّرُ قَدْرُهُ . [6]
قَال بَعْضُهُمْ: السَّابِقُ الَّذِي يُصَلِّي أَوَّل الْوَقْتِ ، وَالْمُقْتَصِدُ فِي أَثْنَائِهِ ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ إِلَى الاِصْفِرَارِ . وَقِيل: السَّابِقُ الْمُحْسِنُ بِالصَّدَقَةِ ، وَالْمُقْتَصِدُ بِالْبَيْعِ ، وَالظَّالِمُ بِأَكْل الرِّبَا [7] .
وَاخْتِلاَفُ التَّنَوُّعِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ تَارَةً وَفِي الاِسْتِحْبَابِ أُخْرَى: فَالأَْوَّل مِثْل أَنْ يَجِبَ عَلَى قَوْمٍ الْجِهَادُ ، وَعَلَى قَوْمٍ الصَّدَقَةُ ، وَعَلَى قَوْمٍ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ . وَهَذَا يَقَعُ فِي فُرُوضِ الأَْعْيَانِ كَمَا مُثِّل . وَفِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، وَلَهَا تَنَوُّعٌ يَخُصُّهَا ، وَهُوَ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَن لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُهُ: فَقَدْ تَتَعَيَّنُ فِي وَقْتٍ ، أَوْ مَكَانٍ ، وَعَلَى شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ كَمَا يَقَعُ مِثْل ذَلِكَ فِي الْوِلاَيَاتِ وَالْجِهَاتِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ .
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ:"وَالتَّنَوُّعُ قَدْ يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ تَارَةً وَفِي الِاسْتِحْبَابِ أُخْرَى . فَالْأَوَّلُ مِثْلَ مَا يَجِبُ عَلَى قَوْمٍ الْجِهَادُ وَعَلَى قَوْمٍ الزَّكَاةُ وَعَلَى قَوْمٍ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَهَذَا يَقَعُ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَفِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ."
فَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِ مَعَ أَهْلِ بُقْعَتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ نَوْعِ مَالِهِ بِصَرْفِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لِجِيرَانِ مَالِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ مِن نَاحِيَتِهِ وَالْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ مِن طَرِيقِهِ ،وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِرُّ وَالِدَيْهِ وَصِلَتِهِ ذَوِي رَحِمِهِ وَالْإِحْسَانُ إلَى جِيرَانِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَمَالِيكِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الَّتِي تَتَنَوَّعُ فِيهَا أَعْيَانُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ اشْتَرَكَتْ الْأُمَّةُ فِي جِنْسِ الْوُجُوبِ ،وَتَارَةً تَتَنَوَّعُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ كَتَنَوُّعِ صَلَاةِ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ ؛ وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ وَالْآمِنِ وَالْخَائِفِ .
وَفُرُوضُ الْكِفَايَاتِ تَتَنَوَّعُ تَنَوُّعَ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَلَهَا تَنَوُّعٌ يَخُصُّهَا وَهُوَ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَن لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُهُ فَقَدْ تَتَعَيَّنُ فِي وَقْتٍ وَمَكَانٍ وَعَلَى شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ وَفِي وَقْتٍ آخَرَ أَوْ مَكَانٍ آخَرَ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ أَوْ طَائِفَةٍ أُخْرَى كَمَا يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْجِهَادِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْبَابِ فَهُوَ أَبْلَغُ ؛ فَإِنَّ كُلَّ تَنَوُّعٍ يَقَعُ فِي الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبِّ وَيَزْدَادُ الْمُسْتَحَبُّ بِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ إنَّمَا يَسْتَحِبُّ لَهُ مِن الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهَا: « وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، » [8] . مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَفْعَلُهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ مِن الْأَعْمَالِ مَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَهَذَا يَتَنَوَّعُ تَنَوُّعًا عَظِيمًا فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يَكُونُ الْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ مَا لَيْسَ هُوَ الْأَفْضَلَ مُطْلَقًا ؛ إذْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَقَدْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ بَل قَدْ يَتَضَرَّرُونَ إذَا طَلَبُوهُ مِثْلَ مَن لَا يُمْكِنُهُ فَهْمُ الْعِلْمِ الدَّقِيقِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَدِينَهُ أَوْ مَن لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ الْفَقْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَلَى حَلَاوَةِ الْغِنَى أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ فِتْنَةِ الْوِلَايَةِ عَن نَفْسِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى حُقُوقِهَا . وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِي عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ"إَنَّ مِن عِبادي مِن لا يَصلُحُ إِيمانُه إلا بِالغِنَى وَلوْ أفقرتُه لَكفرَ ، وإِنَّ مِن عِبادي مَن لا يَصلُحُ إيمانُه إلا بالفقرِ وَلوْ أَغنيتُه لَكفرَ، وإِنَّ مِن عِبادي مَن لا يَصلُحُ إيمانُه إِلا بالسُّقْمِ وَلوْ أصحَحتُه لَكفرَ ، وإنَّ مِن عِبادي مِن لا يَصلُحُ إيمانُه إلا بِالصحةِ وَلوْ أسْقمتُه لَكفرَ" [9] ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَبِي ذَرٍّ لَمَّا سَأَلَهُ الْإِمَارَةَ: « يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّى أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّى أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِى لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ » [10] . وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ: يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ نَفْسٌ تُنَجِّيهَا خَيْرٌ مِن إمَارَةٍ لاَ تُحْصِيهَا" [11] ،وَلِهَذَا إذَا قُلْنَا: هَذَا الْعَمَلُ أَفْضَلُ فَهَذَا قَوْلٌ مُطْلَقٌ ."
ثُمَّ الْمَفْضُولُ يَكُونُ أَفْضَلَ فِي مَكَانِهِ وَيَكُونُ أَفْضَلَ لِمَن لَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَفْضَلُ مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِن الذِّكْرِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ .
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: « أَفْضَلُ الْكَلاَمِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُوَ مِنَ الْقُرْآنِ لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ » [12] . وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -"فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ" [13] وَقَوْلُهُ عَن اللَّهِ تعالى: « مَن شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَن مَسْأَلَتِى وَذِكْرِى أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ ثَوَابِ السَّائِلِينَ ، وَفَضْلُ كَلاَمِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ » [14] . وَقَوْلُهُ: « وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنهُ » . يَعْنِى الْقُرْآنَ. [15] ، وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:إِنِّى لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَعَلِّمْنِى شَيْئًا يُجْزِئْنِى مِنَ الْقُرْآنِ. فَقَالَ: « قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ » [16] .
(1) - الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ (713 -716)
(2) - فتح القدير 6 / 394 ، ط بولاق ، وحاشية ابن عابدين 4 / 331 ط أولى .
(3) - انظر مثلا كلام الشاطبي في الموافقات 4 / 161 وما بعدها ط المكتبة التجارية ، حيث يقول مثلا:"مراعاة الخلاف"ويقصد به ما فيه أدلة مختلف فيها . وانظر أيضا الفتاوى الهندية 3 / 312 ، حيث يقول:"إن اختلف المتقدمون على قولين ، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع هل يرفع الخلاف المتقدم"، فما عبر عنه أولا بالاختلاف عبر عنه ثانيا بالخلاف . فهما شيء واحد .
(4) - تاج العروس - (ج 1 / ص 6544)
(5) - الموافقات 4 / 215
(6) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 3573)
(7) - مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية في مجموع فتاوى ابن تيمية 13 / 337 ، والموافقات للشاطبي 4 / 214
(8) - صحيح البخارى (6502 )
(9) - الخطيب في تاريحه 6/15 وخلية الأولياء 1 وصفة الصفوة121 أنس والعلل المتناهية (26و27) ومسند الفردوس (8098-8100) من طرق ضعيفة ،حسن لغيره
(10) - صحيح مسلم (4824 )
(11) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 216) (33211) صحيح لغيره
(12) - مسند أحمد (20757) صحيح
(13) - الإبانة الكبرى لابن بطة (2002 ) والأسماء والصفات للبيهقي 237و238و239 والفتح 9/66 صحيح لغيره
(14) - سنن الدارمى (3419) والإتحاف 4/464 و5/8 حسن لغيره
(15) - مسند أحمد (22966) والإبانة الكبرى لابن بطة (2006) حسن لغيره -أذن: استمع
(16) - سنن النسائى (932 ) صحيح