فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 79

تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَإِلَّا فَمِنْ جُمْلَةِ طُرُقِ الْوَحْيِ الْإِلْهَامُ .

والْهَاتِفُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ مِثْلُ الَّذِي سَمِعُوهُ يَأْمُرُ بِغُسْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَمِيصِهِ كَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ"فِي ذَيْلِ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا قَالَ: لَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَضَائِلِ وَكَذَلِكَ مَا اسْتَخَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلاَنِ يَحْفِرَانِ الْقُبُورَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَحْفِرُ لأَهْلِ مَكَّةَ وَأَبُو طَلْحَةَ يَحْفِرُ لِلأَنْصَارِ وَيَلْحَدُ لَهُمْ - قَالَ - فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ إِلَيْهِمَا فَقَالَ اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّكَ. فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ وَلَم يَجِدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ فَحَفَرَ لَهُ وَلَحَدَ [1] ."

وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْعَةِ فَعَلَهُ تَكْرِيمًا لَهُ، قُلْت: وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِي الْهَوَاتِفِ ، وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ [2] ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُحَدِّثُ قَالَ:"بَيْنَا أَنَا أَمْشِي ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إِلَى قَوْلِهِ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ"." [3] "

وقال ابن حجر الهيتمي [4] :"اختلف العلماء في حجية الإلهام بقيده السابق فالأرجح عند الفقهاء أنه ليس بحجة إذ لا ثقة بخواطر غير المعصوم ، وعند الصوفية أنه حجة ممن حفظه الله من سائر أعماله الظاهرة والباطنة ، والأولياء وإن لم يكن لهم العصمة لجواز وقوع الذنب منهم ولا ينافيه الولاية ، ومن ثم قيل للجنيد أيزني الولي ؟ فقال { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} (38) سورة الأحزاب ،لكن لهم الحفظ فلا تقع منهم كبيرة ولا صغيرة غالبا ، وعلى القول بحجيته فهو ينسب إلى الله تعالى بمعنى أنه الملقي له في القلب كرامة لذلك الولي وإنعاما عليه بما يكون سببا للمزيد له أو صلاحا لغيره".

وقال الشوكاني معقبا بعدما نقل ما في البحر [5] :"ويجاب عن هذا الكلام: بأن مدعي الإلهام لا يحصر الأدلة في الإلهام، حتى يكون استدلاله بغير الإلهام مناقضا لقوله، نعم إن استدلَّ على إثبات الإلهام بالإلهام، كان في ذلك مصادرة على المطلوب؛ لأنه استدل على محل النزاع بمحل النزاع."

ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدم من الأدلة، من أين لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول الإلهام له صحيحة، وما الدليل على أن قلبه من القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة؟""

3-في هذه الأمة مُلهمونَ [6] :

إن بعض الناس يطلعهم الله عز وجل على شيء من الغيب عن طريق الرؤيا الصالحة أو الإلهام والتحديث، كما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ » ."رواه مسلم [7] ، وهو عند البخاري عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ » . [8] "

وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ » [9] .

والرؤيا الصالحة بشرى خير للمسلم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ .. » [10] .

وأمَّا الإلهامُ والتحديثُ فهو واقع في الأمم السابقة ويقع أيضا في هذه الأمة، وقد اختلف في معناه على أقوال فقيل: هو الإصابة بغير نبوة، وقيل المحدَّث هو الملهم بالصواب الذي يُلْقَى على فيه. وقيل غير ذلك، والأصل في إثبات الإلهام والتحديث ما ورد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِى أُمَّتِى هَذِهِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ » . [11]

وربما أطلق العلماء على هذا النوع من العلم بالمغيبات الكشف، ومدار الأمر على استقامة الحال وسلامة المعتقَد، فإنَّ جنس هذا العلم يحصل للبرِّ والفاجرِ، والمسلم والكافر، والمحدَّث والكاهن.

وكما قال السلف: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء، فلا تغتروا بعمله، حتى يعرض على الكتاب والسنة.

ووجود الكرامة والولاية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أمر مقطوع به، لكن من الخطأ البين أن يعطى أحد من الناس شيئًا من التقديس والتعظيم لأجل صلاحه واستقامته .

وعليه فقد يلقي الشيطان بعض الأمور الغيبية على لسان شخص ما، ليفتتن به الناس، لا سيما إذا كانوا جهَّالا مولعين بالخرافات ، يثبتون الولاية والكرامة بأوهى سبب. فالحذر الحذر من مكر الشيطان وحيله"."

ـــــــــــــــ

(1) -مسند أحمد (2713) وهو صحيح لغيره

(2) - الهواتف ( 1 ) حسن

(3) - انظر حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 380)

(4) - الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي - (ج 1 / ص 754)

(5) - إرشاد الفحول - (ج 2 / ص 199)

(6) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 2289) -رقم الفتوى 5416 في هذه الأمة ملهمون ، والمدار على الصلاح والاستقامة.تاريخ الفتوى: 16 صفر 1420

(7) - صحيح مسلم (6053 )

(8) - صحيح البخارى (6989 )

(9) - صحيح البخارى (3292 ) ومسلم (6039 )

(10) - صحيح مسلم (1102 ) = قمن: خليق وجدير

(11) - صحيح البخارى (3469 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت