فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 79

وَالْأَوْلِيَاءُ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُحَدِّثُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ ، فَإِنْ يَكُ فِى أُمَّتِى أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ" [1] .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عُمَرُ ؛ وَأَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْهُ إذْ هُوَ الصِّدِّيقُ، فَالْمُحَدَّثُ - وَإِنْ كَانَ يُلْهَمُ وَيُحَدِّثُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى- فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشاذلي: قَدْ ضُمِنَتْ لَنَا الْعِصْمَةُ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَمْ تُضْمَنْ لَنَا الْعِصْمَةُ فِي الْكُشُوفِ وَالْإِلْهَامِ . وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ،وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُبَيِّنُ لَهُ أَشْيَاءَ تُخَالِفُ مَا يَقَعُ لَهُ كَمَا بَيَّنَ لَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ ،وَيَوْمَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَوْمَ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ،وَغَيْرَ ذَلِكَ ،وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ ؛ فَتَارَةً يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَتَارَةً يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْقَوْلَ: فَتَرُدُّ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَوْلَهُ وَتُبَيِّنُ لَهُ الْحَقَّ فَيَرْجِعُ إلَيْهَا وَيَدَعُ قَوْلَهُ، كَمَا قُدِّرَ الصَّدَاقُ ،وَرُبَّمَا يَرَى رَأْيًا فَيُذْكَرُ لَهُ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَعْمَلُ بِهِ وَيَدَعُ رَأْيَهُ ،وَكَانَ يَأْخُذُ بَعْضَ السُّنَّةِ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ الْقَوْلَ فَيُقَالُ لَهُ: أَصَبْت فَيَقُولُ وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَهُ ؟ .

فَإِذَا كَانَ هَذَا إمَامَ الْمُحَدَّثِينَ فَكُلُّ ذِي قَلْبٍ يُحَدِّثُهُ قَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ دُونَ عُمَرَ ، فَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ بَلْ الْخَطَأُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ،وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ تَدَّعِي أَنَّ الْوَلِيَّ مَحْفُوظٌ ،وَهُوَ نَظِيرُ مَا يَثْبُتُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْعِصْمَةِ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ قَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا - فَهَذَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .

وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْهُدَى وَالنُّورِ وَالْإِصَابَةِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُحَدَّثِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ يَأْخُذُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا شَيْئًا مَعْصُومًا مَحْفُوظًا .

وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فَيَقَعُ لَهُ صَوَابٌ وَخَطَأٌ ،وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ تَمَيَّزَ صَوَابُهُ مِنْ خَطَئِهِ ؛ وَبِهَذَا صَارَ جَميعُ الْأَوْلِيَاءِ مُفْتَقِرِينَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يَزِنُوا جَمِيعَ أُمُورِهِمْ بِآثَارِ الرَّسُولِ، فَمَا وَافَقَ آثَارَ الرَّسُولِ فَهُوَ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ ،وَإِنْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ .

وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَعْظَمُ اهْتِدَاءً وَاتِّبَاعًا لِلْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ، فَهُمْ أَعْظَمُ إيمَانًا وَتَقْوَى وَأَمَّا آخِرُ الْأَوْلِيَاءِ: فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مِثْلُ مَا حَصَلَ لَهُمْ .

وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: « مَثَلُ أُمَّتِى مَثَلُ الْمَطَرِ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ » [2] ، قَدْ تُكُلِّمَ فِي إسْنَادِهِ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ إنَّمَا مَعْنَاهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ مَنْ يُقَارِبُ أَوَّلَهَا حَتَّى يَشْتَبِهَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَيُّهُمَا خَيْرٌ كَمَا يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ طَرَفَا الثَّوْبِ ،مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ خَيْرٌ مِنَ الْآخَرِ ،وَلِهَذَا قَالَ:"لَا يُدْرَى"وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا السَّلْبَ لَيْسَ عَامًّا لَهَا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَيَّهُمَا أَفْضَلُ .

قلت: قَالَ التوربشتي: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي فَضْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْآخِرِ فَإِنَّ الْقَرْنَ الْأَوَّلَ هُمُ الْمُفَضَّلُونَ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَفِي الرَّابِعِ اِشْتِبَاهٌ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِمْ نَفْعُهُمْ فِي بَثِّ الشَّرِيعَةِ وَالذَّبِّ عَنِ الْحَقِيقَةِ .

قَالَ الْقَاضِي: نَفَى تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِتَفَاوُتِ طَبَقَاتِ الْأُمَّةِ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَأَرَادَ بِهِ نَفْيَ التَّفَاوُتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (18) سورة يونس، أَيْ بِمَا لَيْسَ فِيهِنَّ كَأَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ لَعُلِمَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ لَا يُعْلَمُ لِاخْتِصَاصِ كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ وَفَضِيلَةٍ تُوجِبُ خَيْرِيَّتَهَا كَمَا أَنَّ كُلَّ نَوْبَةٍ مِنْ نُوَبِ الْمَطَرِ لَهَا فَائِدَةٌ فِي النُّشُوءِ وَالنَّمَاءِ لَا يُمْكِنُك إِنْكَارُهَا وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ نَفْعِهَا ، فَإِنَّ الْأَوَّلِينَ آمَنُوا بِمَا شَاهَدُوا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَتَلَقَّوْا دَعْوَةَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْإِجَابَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْآخِرِينَ آمَنُوا بِالْغَيْبِ لِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَاتَّبَعُوا مَنْ قَبْلَهُمْ بِالْإِحْسَانِ ، وَكَمَا أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اِجْتَهَدُوا فِي التَّأْسِيسِ وَالتَّمْهِيدِ فَالْمُتَأَخِّرُونَ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي التَّلْخِيصِ وَالتَّجْرِيدِ وَصَرَفُوا عُمْرَهُمْ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ ، فَكُلُّ ذَنْبِهِمْ مَغْفُورٌ وَسَعْيُهُمْ مَشْكُورٌ وَأَجْرُهُمْ مَوْفُورٌ اِنْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَمْثِيلُ الْأُمَّةِ بِالْمَطَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَا أَنَّ تَمْثِيلَهُ - صلى الله عليه وسلم - الْغَيْثَ بِالْهُدَى وَالْعِلْمِ، فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمُشَبَّهَةُ بِالْمَطَرِ بِالْعُلَمَاءِ الْكَامِلِينَ مِنْهُمُ الْمُكَمِّلِينَ لِغَيْرِهِمْ فَيَسْتَدْعِي هَذَا التَّفْسِيرُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ النَّفْعُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْمُسَاوَاةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ ، وَلَوْ ذُهِبَ إِلَى الْخَيْرِيَّةِ فَالْمُرَادُ وَصْفُ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا وَأَوَّلِهَا وَآخِرِهَا بِالْخَيْرِ، وَأَنَّهَا مُلْتَحِمَةٌ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ مَرْصُوصَةٌ بِالْبُنْيَانِ مُفَرَّغَةٌ كَالْحَلْقَةِ الَّتِي لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا . وَفِي أُسْلُوبِ هَذَا الْكَلَامِ قَوْلُ الْأَنْمَارِيَّةِ: هُمْ كَالْحَلْقَةِ الْمُفَرَّغَةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا تُرِيدُ الْمُكَمِّلَةَ ، وَيُلَمِّحُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِنَّ الْخِيَارَ مِنَ الْقَبَائِلِ وَاحِدٌ وَبَنُو حَنِيفَةَ كُلُّهُمْ أَخْيَارُ

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمَّةَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فِي الْخَيْرِيَّةِ بِحَيْثُ أُبْهِمَ أَمْرُهَا فِيهَا وَارْتَفَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ سَوْقِ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ ،وَفِي مَعْنَاهُ أَنْشَدَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ:

تَشَابَهَ يَوْمَاهُ عَلَيْنَا فَأَشْكَلَا فَمَا نَحْنُ نَدْرِي أَيُّ يَوْمَيْهِ أَفْضَلُ

يَوْمٍ بَدَاءُ الْعُمْرِ أَمْ يَوْمُ يَأْسِهِ وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ

وَمِنْ الْمَعْلُومِ عِلْمًا جَلِيًّا أَنَّ يَوْمَ بُدَاءَةِ الْعُمْرِ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ يَأْسِهِ ، لَكِنَّ الْبَدْءَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَكْمُلُ وَيَسْتَتِبُّ إِلَّا بِالْيَأْسِ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَقَالَ مَا قَالَ وَكَذَا أَمْرُ الْمَطَرِ وَالْأُمَّةِ اِنْتَهَى [3] .

"ثُمَّ صَاحِبُ الْفُصُوصِ وَأَمْثَالُهُ بَنَوْا الْأَمْرَ: عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالنَّبِيُّ يَأْخُذُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ فَلِهَذَا صَارَ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ وَكَذِبٌ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَا يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُحَدَّثًا قَدْ أُلْقِيَ إلَيْهِ شَيْءٌ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِنَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ."

وَتَكْلِيمُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: - مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى . وَبِإِرْسَالِ رَسُولٍ كَمَا أَرْسَلَ الْمَلَائِكَةَ إلَى الْأَنْبِيَاءِ . وَبِالْإِيحَاءِ، وَهَذَا فِيهِ لِلْوَلِيِّ نَصِيبٌ ،وَأَمَّا الْمَرْتَبَتَانِ الْأُولَيَانِ: فَإِنَّهُمَا لِلْأَنْبِيَاءِ خَاصَّةً ،فَالْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِالرُّسُلِ لَا يَأْخُذُونَ عِلْمَ الدِّينِ إلَّا بِتَوَسُّطِ رُسُلِ اللَّهِ إلَيْهِمْ ،وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَرْضُهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ،وَلَنْ يَصِلُوا فِي أَخْذِهِمْ عَنِ اللَّهِ إلَى مَرْتَبَةِ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ آخِذِينَ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَيَكُونُ هَذَا الْأَخْذُ أَعْلَى ،وَهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى مَقَامِ تَكْلِيمِ مُوسَى وَلَا إلَى مَقَامِ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَمَا نَزَلَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ؟ وَهَذَا دِينُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى"."

قلت: لو قارنا بين كلام ابن عربي في الفصوص وفي الفتوحات المكية لو جدنا تناقضًا عجيبًا،يقول في الفتوحات المكية"فلا سبيل أن يتعبد الله أحدًا بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية وإن عيسى عليه السلام إذا نزل ما يحكم إلا بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتم الأولياء، فإنه من شرف محمد - صلى الله عليه وسلم - أن ختم الله ولاية أمته والولاية مطلقة بنبي رسول مكرم ختم به مقام الولاية، فله يوم القيامة حشران يحشر مع الرسل رسولًا ويحشر معنا وليًا تابعًا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كرمه الله تعالى وإلياس بهذا المقام على سائر الأنبياء" [4] .

وجاء مما يناقضه في الفصوص والفتوحات ويشبه بعضه تمامًا .

قال في الفتوحات:"ولقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع وأخذتها بشرى من الله فإنها مطابقة لحديث نبويّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ضرب لنا مثله في الأنبياء عليهم السلام فقال - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ ، وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ » [5] ."

فشبَّه النبوةّ بالحائط والأنبياء باللبن التي قام بها هذا الحائط وهو تشبيه في غاية الحسن، فإنّ مسمَّى الحائط هنا المشار إليه لم يصح ظهوره إلا باللبن فكان - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين، فكنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة أرى فيما يرى النائم الكعبة مبنية بلبن فضة وذهب لبنة فضة ولبنة ذهب وقد كملت بالنباء وما بقي فيها شيء وأنا أنظر إليها وإلى حسنها فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليماني والشامي هو إلى الركن الشامي أقرب فوجدت موضع لبنتين لبنة فضة ولبنة ذهب ينقص من الحائط في الصفين في الصف الأعلى ينقص لبنة ذهب وفي الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تلك اللبنتين فكنت أنا عين تينك اللبنتين وكمل الحائط ولم يبق في الكعبة شيء ينقص وأنا واقف أنظر واعلم أني واقف واعلم أني عين تينك اللبنتين لا أشك في ذلك، وأنهما عين ذاتي، واستيقظت فشكرت الله تعالى ،وقلت متأوّلا أني في الأتباع في صنفي كرسول - صلى الله عليه وسلم - في الأنبياء عليهم السلام وعسى أن أكون ممن ختم الله الولاية بي وما ذلك على الله بعزيز، وذكرت حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ضربه المثل بالحائط وأنه كان تلك اللبنة فقصصت رؤياي على بعض علماء هذا الشأن بمكة من أهل توزر فأخبرني في تأويلها بما وقع لي وما سميت له الرائي من هو، فالله أسأل أن يتمها عليّ بكرمه فإن الاختصاص الإلهي لا يقبل التحجير ولا الموازنة ولا العمل وإن ذلك من فضل الله يختصُّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم . [6]

وزاد في الفصوص:"وكذلك خاتم الأولياء كان وليًّا وآدم بين الماء والطين ، وغيره من الأولياء ما كان وليًّا إلا بعد تحصله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمَّى بالولي الحميد ، فخاتم الرسل من حيث ولايته نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه ، فإنه الولي الرسول النبي ، وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ من الأصل المشاهد للمراتب ، وهو حسنة من حسنات خاتم الرسل ، محمد - صلى الله عليه وسلم - ، مقدَّم الجماعة وسيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة .." [7]

وشارح الفصوص لم يعلق بكلمة واحدة على هذا التناقض الحاد!!!

قال الذهبي في ترجمة ابن عربي:"ابْنُ العَرَبِيِّ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الطَّائِيُّ العَلاَّمَةُ، صَاحِبُ التَّوَالِيفِ الكَثِيْرَةِ، مُحْيِي الدِّيْنِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الطَّائِيُّ، الحَاتِمِيُّ، المُرْسِيُّ، ابْنُ العَرَبِيِّ، نَزِيْلُ دِمَشْقَ."

وَكَانَ ذَكِيًّا، كَثِيْرَ العِلْمِ، كَتَبَ الإِنشَاءَ لبَعْضِ الأُمَرَاءِ بِالمَغْرِبِ، ثُمَّ تَزَهَّدَ وَتَفَرَّدَ، وَتَعَبَّدَ وَتَوَحَّدَ، وَسَافَرَ وَتَجَرَّدَ، وَأَتْهَمَ وَأَنْجَدَ، وَعَمِلَ الخَلَوَاتِ، وَعلَّقَ شَيْئًا كَثِيْرًا فِي تَصَوُّفِ أَهْلِ الوحدَةِ.

وَمِنْ أَرْدَإِ تَوَالِيفِهِ كِتَابُ (الفُصُوْصِ) ، فَإِنْ كَانَ لاَ كُفْرَ فِيْهِ، فَمَا فِي الدُّنْيَا كُفْرٌ، نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالنَّجَاةَ، فَوَاغَوْثَاهُ بِاللهِ!

وَقَدْ عَظَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَكَلَّفُوا لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بِبَعيدِ الاحْتِمَالاَتِ، وَقَدْ حَكَى العَلاَّمَةُ ابْنُ دَقِيقِ العِيْدِ شَيْخُنَا، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّيْنِ ابْنَ عَبْدِ السَّلاَمِ يَقُوْلُ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ: شَيْخُ سُوءٍ، كَذَّابٌ، يَقُوْلُ بِقِدَمِ العَالِمِ، وَلاَ يُحَرِّمُ فَرْجًا.

قُلْتُ: إِنْ كَانَ مُحْيِي الدِّيْنِ رَجَعَ عَنْ مَقَالاَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ المَوْتِ، فَقَدْ فَازَ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيْزٍ.

وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ، وَعِلمٌ وَاسِعٌ، وَذهنٌ وَقَّادٌ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ كَثِيْرًا مِنْ عِبَارَاتِهِ لَهُ تَأْوِيْلٌ إِلاَّ كِتَابَ (الفُصُوْصِ) ! [8]

وقال في التاريخ:"ولابن العربي توسع في الكلام، وذكاءٌ، وقوةٌ حافظةٌ، وتدقيقٌ في التصوف، وتواليف جمةٌ في العرفان. ولولا شطحاتٌ في كلامه وشعره لكان كلمة إجماع، ولعل ذلك وقع منه في حال سكره وغيبته، فنرجو له الخير." [9]

وقال عنه في الميزان:"وما عندي أن محيي الدين تعمد كذبا لكن أثرت فيه تلك الخلوات والجوع فسادا وخيالا وطرف جنون ."

وصنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة فقال أشياء منكرة عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين وعدها طائفة من متشابه القول وأن ظاهرها كفر وضلال وباطنها حق وعرفان وأنه صحيح في نفسه كبير القدر .

وآخرون يقولون قد قال هذا الباطل والضلال فمن الذي قال إنه مات عليه؟ فالظاهر عندهم من حاله أنه رجع وأناب إلى الله ، فإنه كان عالما بالآثار والسنن قوي المشاركة في العلوم .

وقولي أنا فيه إنه يجوز أن يكون من أولياء الله الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت وختم له بالحسنى.

فأما كلامه فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية وعلم محط القوم وجمع بين أطراف عباراتهم تبين له الحق في خلاف قولهم.

وكذلك من أمعن النظر في فصوص الحكم أو أنعم التأمل لاح له العجب فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر والأشباء فهو أحد رجلين: أما من الاتحادية في الباطن وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفرالكفر نسأل الله العفو ،وأن يكتب الإيمان في قلوبنا وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرفُ من العلم شيئا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة". [10] "

قلت: ولكن حتى الفتوحات المكية والمشهورة نسبتها له ، فيها كلام في غاية الروعة وفيها كلام مناف للشريعة بيقين ، ولذا فنحن نقبل من كلامه وكلام غيره ما وافق الشريعة ، ونردُّ ما خالفها ، ونكِلُ أمره إلى الله تعالى .

فالتشهير به غير سائغ ، كما أن تبرير الخطأ غير سائغ أيضًا ، والحقُّ أحقُّ أن يتبعَ .

قال الكتبي:"وعلى الجملة فكان رجلًا صالحًا عظيمًا، والذي نفهمه من كلامه حسن، والمشكل علينا نكل أمره إلى الله تعالى، وما كلفنا اتباعه ولا العمل بما قاله" [11] .

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى (3689 ) وصحيح مسلم (6357 ) عَنْ عَائِشَةَ -المحدث: الصادق الظن الملهم الذى يلقَى في نفسه الشىء فيخبر به فراسة

(2) - سنن الترمذى (3109 ) ومسند أحمد (19394) والمعجم الأوسط للطبراني (3802 ) ومسند البزار ( 1412و3527 و6896) ومسند الشهاب القضاعي (1244 ) ومسند الطيالسي (682و2135 ) ومجمع 10/68 ومطالب (4216) بغوى 1/405 وفتح 7/6 وكثير 7/493 وخط 11/114 وصحيح الجامع (5854) وهو حديث صحيح

(3) - تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 188)

(4) - الفتوحات المكية - (ج 1 / ص 148)

(5) - صحيح البخارى (3535 )

(6) - الفتوحات المكية - (ج 1 / ص 369)

(7) - شرح فصوص الحكم ص 56 -57

(8) - سير أعلام النبلاء (23/49) (34 )

(9) - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (ج 46 / ص 381)

(10) - ميزان الاعتدال في نقد الرجال - (ج 6 / ص 269) ( 7990 ب 887 )

(11) - فوات الوفيات محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي - (ج 3 / ص 438) وانظر الوافي بالوفيات - (ج 2 / ص 11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت