فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 79

الخُلاصَةُُ

في شرحِ حديثِ الوَليِِّ

إعدادُ

الباحث في القرآن والسُّنَّة

عليُّ بنُ نايفَ الشَّحُّودَ

(( حقوقُ الطبعِ متاحةٌ لجميعِ الهيئاتِ العلميةِ والخيريةِ ) )

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمةُ

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمين على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه الغرِّ الميامين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .

وبعد:

يقول الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) } [يونس/62-64]

وعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِى قَوْلِ اللَّهِ (لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ) قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَىْءٍ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا سَأَلَ عَنْهُ بَعْدَ رَجُلٍ سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « بُشْرَاهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ وَبُشْرَاهُمْ فِى الآخِرَةِ الْجَنَّةُ » . [1]

وقد ذكر الله تعالى أن هناك أولياء للرحمن وأولياء للشيطان ، وأمرنا أن نكون من أولياء الرحمن ، وقد ذكرت الولاية في القرآن والسنة ، وقد ورد فيها حديث صحيح مشهور أورده البخاري في صحيحه فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ » [2] .

هذا وقد قام العلماء بشرح هذا الحديث ، وهم سائر شراح البخاري ، وقام بشرحه العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامع العلوم والحكم ، وشرحه ابن تيمية رحمه الله في رسالته القيمة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [3] , وأفرده الشوكاني رحمه الله بكتاب ضخم سماه ( القطر الجلي شرح حديث الولي ) [4]

وقد رأيت أن أقوم بجمع خلاصة هذه الشروح والتوفيق بينها ، وإضافة ما يلزم إضافته لها ، أو التعقيب على بعضها ، لاسيما وقد أصبح الاختلافُ كبيرا بين المسلمين حول كثير من صفات الأولياء.

وقد قمت بجمع مفردات مواد هذا الموضوع من مصادرها الأساسية ؛ من القرآن وتفاسيره والسنَّة وشروحها ، والفقه والأصول ، والآداب وغيرها، متحريا صحة النقل ، وقد حكمت على الأحاديث بالصحة والضعف حسب قواعد الجرح والتعديل الموضوعة في هذا الفنِّ .

هذا وقد قسمته إلى بابين وتحت كل باب مباحث عديدة كما يلي:

البابُ الأولُ =مباحثُ هامَّةٌ حول هذا الموضوع ...

المبحثُ الأول -معنى الولاية في اللغة ...

المبحثُ الثاني -وِلاَيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بالتفصيل ... ...

المبحثُ الثالث -الخلاصةُ في أحكام السِّحْرِ

المبحثُ الرابع -الخلاصةُ في أحكام الإِلْهَامِ ...

المبحثُ الخامس -الخلاصة في أحكامِ الرُؤْيَا

المبحثُ السادس -هل الأولياءُ معصومون ؟ ...

المبحثُ السابع -الفرقُ بين الوليِّ ومدَّعي الولايةَ

المبحثُ الثامنُ-خاتمُ الأولياءِ ...

المبحثُ التاسع- الكَرَامَةُ ...

المبحثُ العاشر- هل كلُّ ما كان معجزةً لنبيٍّ كان كرامةً لوَليٍّ ؟ ...

المبحثُ الحادي عشر -مَنْ همُ الأولياء؟

المبحث الثاني عشر -هل يحجبُ أولياءُ الله عن الناسِ ؟ ...

المبحثُ الثالث عشر-خوارقُ العادات بين الكرامةِ والاستدراجِ ...

المبحث الرابع عشر-هل يتميز أولياء الله عن الناس بشيء ؟ ...

المبحث الخامس عشر-"الْحَقِيقَةُ"حَقِيقَةُ الدِّينِ: دِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ...

المبحث السادس عشر-الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ

المبحث السادس عشر-أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمُقْتَدُونَ بِمُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -

البابُ الثاني-شرح حديث الولي ...

وفيه مباحث

المبحثُ الأول- نصُّ الحديث وشواهده

المبحث الثاني-حول صحَّةِ الحديثِ وما قيل فيه والجواب عنه ...

المبحث الثالث-الدفاعُ عن صحيحي البخاري ومسلم ...

المبحثُ الرابع-مفهوم الولاية في القرآن الكريم

المبحثُ الخامسُ-الحديثُ القدسيُّ والفرق بينه وبين الحديث العادي ...

المبحثُ السادسُ-معاني المفردات

المبحثُ السابعُ-معاداةُ أولياء الله تعالى مؤذنةٌ بالحرب من الله ...

المبحثُ الثامنُ-التقربُ إلى الله تعالى بالفرائض

المبحثُ التاسعُ-التقربُ إلى الله تعالى بالنوافلِ وتفاوت أولياء الله في ذلك

المبحثُ العاشر-ماذا يعطي الله تعالى من تقرب إليه بالفرائض والنوافل ؟ ...

المبحث الحادي عشر-إجابةُ دعاء أولياء الله ...

المبحثُ الثاني عشر-هل يترددُ اللهُ تعالى بقبضِ روحِ أوليائهِ ؟ ...

المبحث الثالث عشر-لماذا نكره الموت ؟

المبحثُ الرابع عشر-الجوابُ عن الإشكالات السبعة في هذا الحديث ...

المبحثُ الرابعُ عشر-أهمُّ الدروس والعبر المستفادة من الحديث

وأخيرا خاتمة فيها خلاصة لهذا الموضوع .

وقد ذكرت أهم المراجع والمصادر التي نافت على الثلاثمائة وثلاثين مرجعًا ..

لذا أرجو أن أكون قد وفيتُ هذا الحديثَ حقَّهُ ، وأجبتُ على كثير من التساؤلات والشُّبَهِ التي اختلف فيها الناس اليوم .

قال تعالى علي لسان النبي شعيب عليه السلام: { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (88) سورة هود.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أولياءه المتقين، وأن يختم لنا بالحسنى ، وأن ينفع به كاتبه وقارئه والدال عليه وناشره في الدارين .

جمعه وأعده

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 12 محرم 1429هـ الموافق ل 20/1/2008م

وروجع بتاريخ 20 جمادى الآخرة 1429 هـ

البابُ الأولُ

مباحثُ هامَّةٌ حول الموضوع

وفيه مباحثُ هامَّةٌ حول الموضوع:

المبحثُ الأول ... -معنى الولاية في اللغة

المبحثُ الثاني ... -وِلاَيَةُ اللَّهِ تَعَالَى

المبحثُ الثالث-الخلاصةُ في أحكام السِّحْر

المبحثُ الرابع-الخلاصةُ في أحكام الإِلْهَامِ ...

المبحثُ الخامس-الخلاصة في أحكامِ الرُؤْيَا

المبحثُ السادس-هل الأولياءُ معصومون ؟

المبحثُ السابع-الفرقُ بين الوليِّ ومدَّعي الولايةَ

المبحثُ الثامنُ-خاتمُ الأولياءِ

المبحثُ التاسع-الكَرَامَةُ

المبحثُ العاشر-هل ما كانَ معجزةٌ لنبيٍّ كان كرامةً لوَليٍّ ؟

المبحثُ الحادي عشر-منْ همُ الأولياء؟ ...

المبحث الثاني عشر-هل يحجبُ أولياءُ الله عن الناسِ ؟

المبحثُ الثالث عشر-خوارقُ العادات بين الكرامةِ والاستدراجِ

المبحث الرابع عشر-هل يتميز أولياء الله عن الناس بشيء ؟

المبحث الخامس عشر-"الْحَقِيقَةُ"حَقِيقَةُ الدِّينِ: دِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ

المبحث السادس عشر-الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ

المبحث السابع عشر-أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمُقْتَدُونَ بِمُحَمَّدِ

المبحثُ الأول

معنى الولاية في اللغة

" ( ولي ) في أَسماء الله تعالى: الوَلِيُّ هو الناصِرُ وقيل: المُتَوَلِّي لأُمور العالم والخلائق القائمُ بها ومن أَسمائه عز وجل: الوالي وهو مالِكُ الأَشياء جميعها المُتَصَرِّفُ فيها . قال ابن الأَثير: وكأَن الوِلاية تُشعر بالتَّدْبير والقُدرة والفِعل وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي . ابن سيده: وَليَ الشيءَ و وَلِيَ عليه وِلايةً و وَلايةً وقيل: الوِلاية الخُطة كالإِمارة و الوَلايةُ المصدر . ابن السكيت: الوِلاية بالكسر السلطان والوَلايةُ والولاية النُّصرة . يقال: هم عليَّ وَلايةٌ أَي مجتمعون في النُّصرة . وقال سيبويه: الوَلاية بالفتح المصدر والوِلاية بالكسر الاسم مثل الإِمارة والنِّقابة لأَنه اسم لما توَلَّيته وقُمْت به فإِذا أَرادوا المصدر فتحوا . قال ابن بري: وقرىء { ما لكم من ولايَتِهم من شيء } بالفتح والكسر وهي بمعنى النُّصْرة قال أَبو الحسن: الكسر لغة وليست بذلك . التهذيب: قوله تعالى: { والذين آمَنُوا ولم يُهاجِروا ما لكم من وِلايَتهم من شيء } قال الفراء: يريد ما لكم من مَوارِيثهم من شيء قال: فكسْرُ الواو ههنا من وِلايتهم أَعجبُ إِليَّ من فتحها لأَنها إِنما تفتح أَكثرَ ذلك إِذا أُريد بها النصرة قال: وكان الكسائي يفتحها ويذهب بها إِلى النصرة، قال الأَزهري: ولا أَظنه علم التفسير، قال الفراء: ويختارون في وَلِيته وِلاية الكسر قال: وسمعناها بالفتح وبالكسر في الولاية في معنييهما جميعًا وأَنشد:"

دَعِيهِم فهمْ أَلبٌ عليَّ وِلايةٌ وحَفْرُهُمُ إِنْ يَعْلمُوا ذاك دائبُ

وقال أَبو العباس نحوًا مما قال الفراء . وقال الزجاج: يقرأُ وَلايتِهم ووِلايَتِهم بفتح الواو وكسرها فمن فتح جعلها من النصرة والنسب، قال: والوِلايةُ التي بمنزلة الإِمارة مكسورة ليفصل بين المعنيين، وقد يجوز كسر الولاية لأَن في تولي بعض القوم بعضًا جنسًا من الصِّناعة والعمل،وكل ما كان من جنس الصِّناعة نحو القِصارة والخِياطة فهي مكسورة .

قال: والوِلايةُ على الإِيمان واجبة { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة/71] } وَليٌّ بيِّن الوَلاية ووَالٍ بيِّن الوِلاية .

والوَلِيُّ: وليُّ اليتيم الذي يلي أَمرَه ويقوم بكِفايته . ووَليُّ المرأَةِ: الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يَدَعُها تسْتَبِدُّ بعقد النكاح دونه . وفي الحديث: « اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ غِنَاىَ وَغِنَى مَوْلاَى » . [5]

وروى ابن سلام عن يونس قال: المَوْلى له مواضع في كلام العرب: منها المَوْلى في الدِّين وهو الوَلِيُّ وذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (11) سورة محمد، أَي لا وَلِيَّ لهم ومنه قول سيدنا رسولُا: « مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاَهُ » [6] . أَي مَن كنتُ وَلِيَّه قال: وقوله عليه السلام مُزَيْنَة وجُهَيْنَةُ وأَسْلَمُ وغِفارُ مَوالي الله ورسوله أَي أَوْلِياء ا قال: و المَوْلى العَصَبةُ ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} (5) سورة مريم ،وقال اللِّهْبِيُّ يخاطب بني أُمية:

مَهْلًا بَني عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا امْشُوا رُوَيْدًا كما كُنْتُم تَكُونونا

قال:والمَوْلى الحَلِيفُ وهو من انْضَمَّ إِليك فعَزَّ بعِزِّك وامتنع بمَنَعَتك ،قال عامر الخَصَفِي من بني خَصَفَةَ:

همُ المَوْلى وإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإِنَّا مِنْ لِقائِهم لَزُورُ

قال أَبو عبيدة: يعني المَوالِي أَي بني العم وهو كقوله تعالى: { ثم يخرجكم طِفْلًا} والمَوْلى: المُعْتَقُ انتسب بنسبك ولهذا قيل للمُعْتَقِين المَوالي قال: وقال أَبو الهيثم المَوْلى على ستة أَوجه: المَوْلى ابن العم والعمُّ والأَخُ والابنُ والعَصباتُ كلهم و المَوْلى الناصر و المولى الولي الذي يَلِي عليك أَمرك قال: ورجل وَلاء وقوم وَلاء في معنى وَلِيَّ و أَوْلِياء لأَن الوَلاء مصدر والمَوْلى مَوْلى المُوالاة وهو الذي يُسْلِمُ على يدك ويُواليك والمَوْلى مَوْلى النِّعْمة وهو المُعْتِقُ أَنعم على عبده بعتقِه والمَوْلى المُعْتَقُ لأَنه ينزل منزلة ابن العم يجب عليك أَن تنصره وترثه إِنْ مات ولا وارث له فهذه ستة أَوجه .

وقال الفراء في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (8) سورة الممتحنة ، قال: هؤلاء خُزاعةُ كانوا عاقَدُوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أَن لا يُقاتِلوه ولا يُخرجوه فأُمِر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبِرِّ والوَفاء إِلى مدَّة أَجلهم ثم قال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (9) سورة الممتحنة ، أَن تَولَّوْهم أَي تَنْصُروهم يعني أَهل مكة ، قال أَبو منصور: جعل التولي ههنا بمعنى النَّصْر من الوَلِيّ و المَوْلى وهو الناصر ، وقال الفراء في قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (22) سورة محمد، أَي توليتم أُمور الناس والخطاب لقريش، قال الزجاج: وقرىءَ: إِنْ تُوُلِّيتُمْ أَي وَلِيَكُمْ بنو هاشم . ويقال: تَوَلاَّكَ الله أَي وَلِيكَ الله ويكون بمعنى نَصَرك الله . وقوله: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ [7] أَي أَحْبِبْ مَنْ أَحَبَّه وانْصُرْ من نصره . والمُوالاةُ على وجوه قال ابن الأَعرابي: المُوالاةُ أَن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح ويكون له في أَحدهما هَوىً فيوالِيه أَو يُحابيه ووالى فلان فلانًا إِذا أَحبَّه، قال الأَزهري: وللموالاة معنى ثالث سمعت العرب تقول: والُوا حَواشِيَ نَعَمِكم عن جِلَّتِها،أَي اعْزِلوا صِغارَها عن كِبارِها وقد والَيْناها فتَوالَتْ إِذا تميزت وأَنشد بعضهم:

وكُنَّا خُلَيْطَى في الجِمالِ فأَصبحَتْ جِمالي تُوالَى وُلَّهًا مِن جِمالِكا

تُوالى أَي تُمَيَّزُ منها ومن هذا قول الأَعشى:

ولكنَّها كانتْ نَوىً أَجْنَبِيَّةً تَواليَ رِبْعِيّ السِّقابِ فأَصْحَبا

ورِبْعِيُّ السِّقاب: الذي نُتِجَ في أَوَّل الربيع وتَوَالِيه: أَن يُفْصَلَ عن أُمّه فيَشْتَدَّ ولَهُه إِليها إِذا فَقَدها ثم يستمر على المُوالاة ويُصْحِبُ أَي ينقاد ويَصْبِر بعدما كان اشتدَّ عليه من مُفارَقته إِياها ،ابن الأَعرابي قال: ابن العم مَوْلىً وابن الأُخت مولى والجارُ والشريكُ والحَلِيف وقال الجعدي:

مَوالِيَ حِلْفٍ لا مَوالي قَرابةٍ ولكنْ قَطِينًا يَسْأَلونَ الأَتاوِيا

يقول: هم حُلَفاء لا أَبناء عم، وقول الفرزدق:

فلو كانَ عبدُ الله مَوْلىً هَجَوْتُه ولكنَّ عبدَ الله مَوْلَى مَوالِيا

لأَنَّ عبد الله بن أَبي إِسحق مولى الحَضْرَمِيِّين وهم حُلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف ،والحَلِيفُ عند العرب مَوْلىً وإِنما قال: مواليًا فنصب لأَنه ردّه إِلى أَصله للضرورة وإِنما لم ينوّن لأَنه جعله بمنزلة غير المعتل الذي لا ينصرف، قال ابن بري: وعطف قوله ولكن قطينًا على المعنى كأَنه قال ليسوا مَوالِيَ قرابة ولكن قطينًا وقبله:

فلا تَنْتَهي أَضْغانُ قَوْميَ بينَهم وسَوْآتُهم حتى يَصِيرُوا مَوالِيا

وفي حديث الزكاة: « إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ » . [8] . قال ابن الأَثير: وقد تكرر ذكر المولى في الحديث قال: وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرَّبُّ والمالِك والسَّيِّدُ والمُنْعِم والمُعْتِقُ والنَّاصِر والمُحِبُّ والتَّابع والجارُ وابن العَم والحَلِيفُ والعَقِيدُ والصِّهْرُ والعَبْدُ والمُعْتَقُ والمُنْعَمُ عليه قال: وأَكثرها قد جاءَت في الحديث فيضاف كل واحد إِلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وكلُّ من وَلِيَ أَمرًا أَو قام به فهو مَوْلاه و وَلِيُّه قال: وقد تختلف مصادر هذه الأَسماءِ فالوَلايةُ بالفتح في النسب والنُّصْرة والعِتْق و الوِلايةُ بالكسر في الإِمارة والوَلاءُ في المُعْتَق والمُوالاةُ من والى القومَ ، وفي الحديث: « مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلاَ صَرْفٌ » [9] . أَي اتخذهم أَولياء له قال: ظاهره يوهم أَنه شرط وليس شرطًا لأَنه لا يجوز له إِذا أَذِنُوا أَن يُواليَ غيرهم وإِنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه والتنبيه على بطلانه والإِرشاد إِلى السبب فيه لأَنه إِذا استأْذن أَولياءَه في موالاة غيرهم منعوه فيمتنع ،والمعنى إِنْ سوَّلت له نفسه ذلك فليستأْذنهم فإِنهم يمنعونه، وأَما قول لبيد:

فعَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أَنَّه مَوْلى المَخافةِ خَلْفَها وأَمامَها

فيريد أَنه أَولى موضع أَن تكون فيه الحَرب وقوله: فعدت تم الكلام كأَنه قال: فعدت هذه البقرة وقطع الكلام ثم ابتدأَ كأَنه قال: تحسب أَنَّ كِلا الفَرْجَيْنِ مَوْلى المَخافة ، و تَوَلَّى الشَّيءَ: لَزِمه .

والوَليُّ: الصَّدِيق والنَّصِير . ابن الأَعرابي: الوَلِيُّ التابع المحب، وقال أَبو العباس في قوله: مَنْ كنتُ مَوْلاه فعليّ مولاه، أَي من أَحَبَّني وتَولاَّني فَلْيَتَوَلَّه . والمُوالاةُ: ضِدّ المُعاداة، والوَلِيُّ: ضدّ العدوّ ويقال منه تَوَلاَّه . وقوله عزَّ وجل: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (45) سورة مريم ، قال ثعلب: كلُّ مَن عَبَد شيئًا مِنْ دون الله فقد اتَّخذه وِليًّا . وقوله عز وجل: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (257) سورة البقرة ، قال أَبو إِسحق: الله وليهم في حجاجهم وهِدايتهم وإِقامة البُرهان لهم ،لأَنه يزيدهم بإِيمانهم هِدايةً كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} (17) سورة محمد ، ووَلِيُّهم أَيضًا في نَصرهم على عدوّهم وإِظهارِ دينهم على دين مُخالِفِيهم ،وقيل: وَلِيُّهم أَي يَتَوَلَّى ثوابهم ومجازاتَهم بحسن أَعمالهم . والوَلاءُ: المِلْكُ . والمَوْلى: المالِكُ والعَبد والأُنثى بالهاء . وفيه مَوْلَوِيَّةٌ إِذا كان شبيهًا بالمَوالي . وهو يَتَمَوْلى علينا أَي يتشبّه بالمَوالي وما كنتَ بمَوْلىً وقد تَمَوْلَيْتَ والاسم الوَلاءُ . والمَوْلى: الصاحِبُ والقَريبُ كابن العم وشبهه . وقال ابن الأَعرابي: المَوْلى الجارُ والحَلِيفُ والشريك وابن الأُخت . والوَلِيّ: المَوْلى . وتَوَلاَّه: اتَّخذه وَلِيًّا وإِنه لَبَيِّنُ الوِلاةِ والوَلْية والتَّوَلِّي والوَلاء والولاية والوَلايةِ . والوَلْيُ: القُرْبُ والدُّنُوُّ وأَنشد أَبو عبيد:

وشَطَّ وَلْيُ النَّوَى إِنَّ النَّوَى قَذَفٌ تَيَّاحَةٌ غَرْبَةٌ بالدَّارِ أَحيانا

ويقال: تَبَاعَدْنا بعد وَلْيٍ ويقال منه: وَلِيَه يَلِيه بالكسر فيهما وهو شاذ وأَوْلَيْته الشيء فَوَلِيَه وكذلك وَلِيَ الوالي البلَد ووَلِيَ الرَّجل البيع وِلاية فيهما وأَولَيته معروفًا . ويقال في التعجب: ما أَولاه للمعروف وهو شاذّ، قال ابن بري: شذوذه كونه رباعيًَّا والتعجب إِنما يكون من الأَفعال الثلاثية . وتقول: فلان وَلِيَ وَوُلِيَ عليه كما تقول ساسَ وسِيس عليه . ووَلاَّه الأَميرُ عَملَ كذا ووَلاَّه بيعَ الشيءِ وتَوَلَّى العَمَل أَي تَقَلَّد . وكُلْ مِما يَلِيكَ أَي مما يُقارِبك وقال ساعدة:

هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبَّ مَن يَتَجَنَّبُ وعَدَتْ عَوادٍ دونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ

وقولهم: قد أَوْلاني معروفًا قال أَبو بكر: معناه قد أَلصق بي معروفًا يَلِيني من قولهم: جلستُ مما يَلي زيدًا أَي يُلاصقه ويُدانِيه . ويقال: أَوْلاني مَلَّكني المعروف وجعله منسوبًا إِليَّ وَلِيًّا عَليَّ من قولك هو وَلِيُّ المرأَة أَي صاحبُ أَمرها والحاكم عليها قال: ويجوز أَن يكون معناه عَضَّدَني بالمعروف ونَصَرَني وقَوَّاني من قولك بنو فلان وَلاء على بني فلان أَي هم يُعِينونهم . ويقال: أَوْلاني أَي أَنْعَمَ عَليَّ من الآلاء وهي النِّعَمُ والواحد أَلىً ،وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة ،معناه مَن يَتَّبِعْهُم ويَنْصُرْهم ..""

ـــــــــــــــ

(1) -مسند أحمد (28291) صحيح لغيره

(2) -صحيح البخارى (6502 )

(3) - وقد يسر الله لنا تحقيقه ونشره .

(4) - وقد أخذت به رسالة دكتوراه من الأزهر قسم الفلسفة ونشر بكتاب ضخم

(5) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 208) (29801) حسن

(6) - سنن الترمذى (4078) صحيح -قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ كُنْت أَتَوَلَّاهُ فِعْلِيٌّ يَتَوَلَّاهُ مِنْ الْوَلِيِّ ضِدُّ الْعَدُوِّ . أَيْ مَنْ كُنْت أُحِبُّهُ فِعْلِيٌّ يُحِبُّهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ يَتَوَلَّانِي فِعْلِيٌّ يَتَوَلَّاهُ ذَكَرَهُ الْقَارِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِ .تحفة الأحوذي - (ج 9 / ص 126)

(7) - مسند أحمد (962) صحيح

(8) - سنن النسائى (2624 ) صحيح

(9) - صحيح مسلم (3864 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت