ومن الناس من يقول (( إن تصور الإثبات مقدم على تصور النفي بدليل ان الواحد منا يمكنهُ ان يتصور الإثبات وان لم يخطر بباله معنى النفي والعدم ويمتنع عليه ان يتصور العدم والنفي إلا وقد تصور الإثبات أولًا، وذلك لأن العدم المطلق غير معقول بل العدم لا يعقل إلا إذا أُضيف الى أمر معين، فثبت ان تصور الإثبات أصل ومتقدم وتصور النفي متأخر وفرع ) ) [1] .
وهذا كلام جميل، غير اننا لابد ان نعرف سبب تقدم النفي على الإثبات وقد صرح الرازي بثلاثة أغراض أوردها تباعًا وهي:
(( الأول: ان نفي الربوبية عن غيره ثم إثباتها له أكد في الإثبات من إثباتها له من غير نفيها عن غيره.
الثاني: إنّ لكل إنسان قلبًا واحدًا، والقلب الواحد لا يتسع باشتغال شيئين دفعة واحدة فبقدر ما يبقى مشغولًا بأحد الشيئين يبقى محرومًا عن الشيء الثاني فقولهُ (لا إله إلا الله) إخراج لكل ما سوى الله عن القلب حتى إذا صار القلب خاليًا عن كل ما سوى الله ثم حضر فيه سلطان (إلا الله) اشرق نورهُ إشراقًا وكمل استيلاؤهُ عليه كمالًا قويًا.
الثالث: ان النفي الحاصل بـ (لا) يجري مجرى الطهارة والإثبات الحاصل بـ (إلا) يجري مجرى الصلاة فكما ان الطهارة مقدمة على الصلاة، فكذا أوجب تقديم (لا إله) على قولنا ويجري مجرى تقديم الاستعاذة على القراءة، قيل ان النصف الأول من هذه الكلمة فناء والثاني بقاء، والأول انفصال والثاني اتصال )) [2] .
(1) اسرار التنزيل وأنوار التأويل، للإمام فخر الدين الرازي، تحقيق: محمود أحمد محمد، بابا علي الشيخ عمر، صالح محمد عبد الفتاح: 98، وينظر ارشاد الساري: 1/ 128.
(2) أسرار التنزيل وأنوار التأويل: 98، 99.