تعالى {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [1] (( جاء قوله فهم يوزعون بتقديم المسند إليه ليؤكد هذا الخبر الغريب فتأنس به النفوس؛ لأن حشر الانس والجن والطير على هذه الهيئة من الايذاع والتداخل أمر غريب تحتاج النفوس الى ما يؤنسها به ويقرره عندها ) ) [2] .
يقدم المسند إليه على الخبر المنفي لإعطاء معنى بلاغي جديد فأنت ترى اختلافًا في تأثير الكلام عليك إذا كان فيه تقديم مثل قولك أنت لا تكذب، فالكلام أبلغ لنفي الكذب عنك فلا سبيل لأحدٍ الى الشك بك أو اتهامك بالكذب، اما إذا قلت لا تكذب أنت فاننا نرى بعض التراخي في نفي الكذب فلا نجد ذلك الجزم بنفي الكذب كما في المثال الأول، فالأول أشد إثباتًا للنفي وأكثر قوة في الكلام.
ونجد هذا النوع من التقديم في الحديث الشريف: (( جاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليه فسلم ثم قال: بشر الكانزين برصنقٍ يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي احدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل ثم ولي فجلس الى سارية وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو ) ) [3] . فقوله (أنا لا أدري) أبلغ وأشد قوة وأكثر إقناعًا للسامع وأثبت في نفي الفعل عنه، فكان تقديم المسند إليه على الخبر المنفي مؤديًا للمعنى المطلوب والذي لا نجدهُ إذا لم يقدم المسند إليه.
(1) سورة النمل، الآية: 17.
(2) خصائص التراكيب: 175.
(3) صحيح البخاري: 2/ 133، 134.