أنا ابن اللقاء انا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان [1]
يفتخر المتنبي بنفسهِ وذاك بذكر الخصال الحميدة منها اللقاء والسخاء [2] ، ويفخر بشجاعته وكثرة طعنهِ للأعداء، ويعود في البيت الثاني فيفتخر بشاعريته لكنه لا يورد صفة من الصفات الا وذكر قبلها الضمير (أنا) المسند إليه ليبين افتخاره بنفسه، وصفة الفخر مقرون معها الرياء، وحاشا للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) ان تشوبه مثل في هذه الصفات الا إذا أضطر الى ذلك، والضرورات كما يقال تبيح المحظورات فيما اذا اشتد إنكار المنكرين وكثر بطل المبطلين ونسبوهُ الى الجهل والبذاءة وغيرها، عند ذاك ينبري ليدفع التهمة عن نفسه، ويبين منزلته ومستوى علمه وفصاحته، فيقول (( أنا أفصح العرب بيد اني من قريش ) ) [3] .
ويُبنى الاسم على الفعل في حال حاجتنا الى تأكيد أمرٍ مشكوك فيه فإنه إذا كان من المعتاد القيام بذلك الفعل فلا نبني الفعل على الاسم مثل قولنا: (هو قد خرج) واذا كان معلومًا لدى السامع بانه على نية الركوب والمضي لم يكن فيه شك وتردد إنه يركب فنقول (قد ركب) ، فان جاء في صلة الكلام وجاء بعد واو الحال يُحسن حينئذ ان نقول: (جئته وهو قد ركب) ، كي يكون الكلام غير معرض للشك [4] ، فهو أقرب اليقين أبعد عن الشك بقول الجرجاني: (( وانما الكلام البليغ هو ان تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله: قد اغتدي والطير لم تكلم ) )وقد أورد أمثلة على ذلك من القرآن الكريم كقوله
(1) شرح ديوان المتنبي: 28.
(2) السخاء: الجود، ينظر مختار الصحاح: 219.
(4) ينظر دلائل الاعجاز: 99.