فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 192

وجاء هذا الغرض في الحديث النبوي الشريف، قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيُّ الناس أعلم؟ فقال أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوصى الله إليه ان عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك ) ) [1] .

إنَّ موسى في هذا الحديث يمدح نفسه وطريقة المدح بتقديم المسند إليه (أنا) فقولهُ (أنا أعلم) فهو ينسب العلم إليه وانهُ أعلم الناس، والعلم (( المعرفة ) ) [2] . ولكونه قال ذلك فهو مادح لنفسه فليس لأحدٍ من البشر علم مثل علمهِ فهو أعلم الناس، وفي مكان آخر من الحديث نجد هذا أيضًا في قول الله سبحانه وتعالى لموسى عبد عبدٍ من عبادهِ (هو أعلم منك) ردًا على نسب العلم لنفسه، وكلامه تعالى مدح لهذا العبد الصالح لكن علم هذا العبد ليس علمًا مطلقًا، فالعلم المطلق لله تعالى فهو أعلم من عبادهِ لكنه أعلم من موسى بشيء مخصوص لا يعلمهُ موسى، غير أنَّ نبيٌ، والخضر (العبد الصالح) ولي والأنبياء أعلم من الأولياء، لكن موسى (عليه السلام) وقع في نفسه انه أعلم الناس ولم يؤتَ أحد بقدر ما أُتيَ هو من علم، فعَلِمَ الله ما حدثتهُ نفسه فأرسل العبد الصالح لامتحان موسى ليعتبر [3] ، فكان تقديم (هو) مدحًا للعبد الصالح بما لديه من علم.

فأنت بذكرك الممدوح في بدء كلامك تكون قد ميزته ونبهت السامعين عن فعلك للشخص قبل مدحك إياه (( فإيقاع المسند إليه في أول الكلام يجعل السامع متلهفًا الى سماع الخبر ويكون مهيئًا لقبولهُ، فإذا ذكر ازداد قوة وتمكنًا ) ) [4] .

ويقدم المسند إليه على خبره الفعلي لغرض الفخر ذكر ذلك الجرجاني في دلائل الإعجاز [5] ، وتقديمه يجعل المتكلم يفتخر بنفسه وبعمله أو بخصاله وهذا واضح في تقديم (المسند إليه) (أنا) في البيتين الآتيين للمتنبي، حيث قال:

(1) صحيح البخاري: 1/ 41.

(2) مختار الصحاح: 452 باب علم.

(3) ينظر ارشاد الساري: 1/ 321.

(4) التقديم والتأخير في القرآن الكريم: 77.

(5) ينظر: 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت