فجاء تقديم المسند مسبوقًا بالنفي فهو يفضل ويخصص الأنبياء على سائر البشر بما اعطاهم الله، فالنفي دلَّ على تفضيل الأنبياء على غيرهم من الناس ولو أخرنا المسند لما حصلنا على هذه الصورة البلاغية ولو لم يكن مسبوقًا بالنفي لما وجدنا ذلك التفضيل.
وقد جاء مثل هذا التقديم في القرآن الكريم في قوله تعالى: {فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [1] ، ففي هذه الآية قدم شبه الجملة ويقصد من تقديمه (( تفضيل خمر الجنة على خمر الدنيا لانها لا تغتال العقول كما تغتالها هي ) ) [2] .
(( فخمر الجنة ليس فيه ما في خمور الدنيا من الغول [3] وهذا مثل قولنا: لا عيب في الدار وقولنا لا فيها عيب، فالأول ينفي العيب عن الدار والثاني تفضيل للدار على غيرها، أي ليس فيها من العيوب كما في باقي الدور ) ) [4] .
2.وقد يُقدم المسند (الخبر، شبه الجملة) للدلالة على العموم وذلك إذا كانت شبه الجملة محتوية على لفظة (كل) كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( على كل مسلم صدقة ) ) [5] ، إن تقديم المسند على المسند إليه وبوجود لفظة (كل) جعل معنى الحديث يدل على الشمول والعموم [6] .
ولعل السامع لهذا الحديبث يعتقد بوجوب الصدقة لوجود حرف الجر على الذي يوحي بوجوب الأمر، غير انها ليست واجبة وانما هي من النوافل، ولمن أراد تأديتها
(1) سورة الصافات، الآية: 47.
(2) الكشاف: 1/ 114.
(3) الغول: (لا فيها غول) أي ليس فيها (غائلة) و (الغول) ان تغتال عقولهم، ينظر مختار الصحاح: 485.
(4) الطراز: 2/ 72.
(5) صحيح البخاري: 2/ 143.
(6) ينظر دلائل الاعجاز: 191.