الوعد قدَّم المسند إليه (أنا على الخبر الفعلي ليوضح لعبادهِ انه هو تعالى يتكفل بالجزاء، ومن غيره يفعل ذلك(( وقد علم انَّ الكريم إذا تولى العطاء بنفسه كان في ذلك إشارة الى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه ففيه مضاعفة الجزاء من غير عدد ولا حساب ) ) [1] ، فضلًا عن الغرض المذكور (الوعد والضمان) نراه يمتزج بغرض ثانٍ وهو تعظيم العطاء وتفخيمه عن طريق التصريح بالعطاء بكلمة (أنا) فهو يعد بالعطاء ويعظم هذا العطاء بمضاعفته للعبد الصائم وكل ذلك بسبب تأدية المسلم لفريضة الصوم على أتم وجهٍ.
كذلك يقدم المسند إليه على خبره الفعلي في حال التعجب والاستغراب من أمر منسوب الى شخص يستغرب نسبه إليه، فهو منفى عنه في أي حال من الأحوال ولا يمكن ان يقوم به ذلك الشخص، فكأن الشخص يستبعد هذا الشيء وينفيه عن نفسه ومنه ما جاء في الحديث الشريف (( فقال سعيد أنا انتقص منه حقها شيئًا أشهد لسمعت رسول الله يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقهُ يوم القيامة من سبع أرضين ) ) [2] فسعيد بن زيد يستغرب انه انتقص من حق هذه المرأة (أروى) شيئًا وهو الملتزم بما أنزله الله من آيات القرآن الكريم وملتزم بأقوال وأحاديث الرسول الكريم محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، فالشخص المسلم والذي يعمل بكتاب الله لا ينقص أحدًا حقه ثم عاد بعد تعجبه واستغرابه من الأمر، عاد ليذكر بعقوبة من يأخذ أو يغصب حقًا بكلام الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فكأنه ينفي عنه هذه التهمة خصوصًا وهو عالم بالعقاب فهو بعيد عن اغتصاب حقٍ أو سلبه من أصحابه، فتقديم سعيد للمسند إليه في كلامه يوحي باستغراب سعيد من الكلام والتهمة التي نسبت إليه.
وقد يكون تقديم المسند إليه على خبره الفعلي لغرض بلاغي آخر وهو الحذر والخوف على شخص ما، فإذا أراد المتكلم إظهار خوفهِ على شخص ما فيقدم المسند
(1) ارشاد الساري: 4/ 443.
(2) صحيح البخاري: 4/ 130.