(- صلى الله عليه وسلم -) ورسول الله يضحك، فقال عمر أضحك الله سنك يا رسول الله، قال عجبت من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر فأنت يا رسول الله كنتَ أحق ان يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) ) ) [1] .
فالنساء احتجبن على عمر وأنكرن عليه غلظته في معاملتهن نسبة مع معاملة رسول الله اللينة الحسنة، فكأنهن بتقديم المبتدأ (أنت) يحاولن تعنيفهُ على سوء معاملتهِ لهن وغلظتهِ في معاملتهِ لهن.
و (افظ وأغلظ) على صيغة أفعل التفضيل، وهذه الصيغة تقتضي المشاركة بين عمر (رضي الله عنه) والرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ويعارض ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [2] وهذه الآية تقتضي انه لم يكن فظًا ولا غليظًا، وقد لا تأتي هذه الصيغة للمشاركة في أصل الفعل، كقولنا: (العسل أحلى من الخل) ، فلا نشارك بين العسل والخل، فكلٌ له صفة تختلف عن الآخر لكن كان قصدهم ان حلاوة العسل أكثر من حموضة الخل، وقد يكون الأفظ هنا بمعنى فظ، وهذه الصفة كانت موجودة عند الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في بعض الأحوال، كإنكار المنكر، فقد أمرهُ الله تعالى بالإغلاظ على الكافرين والمنافقين لقوله تعالى {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [3] فالنفي بالنسبة للمؤمنين والأمر بالنسبة الى الكافرين والمنافقين [4] ، فالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) غليظ على الكافرين وأعداء الإسلام، رحيم لين ورقيق مع المسلمين، بينما سيدنا عمر (رضي الله عنه) كان
(1) صحيح البخاري: 4/ 153.
(2) سورة آل عمران، الآية: 159.
(3) سورة التوبة، الآية: 73.
(4) ينظر ارشاد الساري: 7/ 203.