وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة قُدمت فيها السماء على الأرض، كقوله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} [1] .
إنَّ تقديم (السموات) على (الارض) هو الغالب في أسلوب القرآن؛ ولأنه يعود الى ما لها من أهمية وتفاضل في التكوين والإنشاء [2] ، وجاء تقديم الأرض على السماء في مواضع أخرى في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَر} [3] ، قال الزمخشري في تفسير الآية: (( فان قلت: لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله في سورة سبأ {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} ، قلت: حق السماء ان تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ووصل بذلك قوله لا يعزب عنه لاءم ذلك ان قدم الأرض على السماء ) ) [4] . فإذا كان المقام والسياق مناسبًا لتقديم السماء قدمها وإلا فالعكس.
ومن هذا النمط تقديم الخشوع على الركوع في قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( هل ترون قبلتي هاهنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري ) ) [5] .
وسبق الخشوع الركوع لأنه الأسبق في الرؤية فالذي يصلي يظهر عليه الخشوع قبل الركوع، والخشوع من خصائص الايمان والذي يأتي أولًا لأنه المسبب والداعي الى الركوع والصلاة، فالمصلي عندما يدخل في صلاته يكون خاشعًا لله وهذا قبل الركوع فهو سابق له، قال القسطلاني في قوله (فو الله ما يخفى عليَّ خشوعكم) (( أي في جميع الأركان أو المراد في سجودكم لأن فيه غاية الخشوع ... وإذا قلنا ان الخشوع المراد به الأعم فيكون
(1) سورة سبأ، الآية: 3.
(2) ينظر التبيان في علم البيان: 150، والمشاهد في القرآن الكريم: 431.
(3) سورة يونس، الآية: 61.
(4) الكشاف: 2/ 243، وينظر التبيان في علم البيان: 150.
(5) المصدر نفسه: 1/ 114، الخشوع والركوع ينظر اللسان مادة خشع وركع.