ذكر الركوع بعدهُ من باب ذكر الأخص بعد الأعم )) [1] ، فالخشوع أعم وأسبق من الركوع فذكر قبله.
ومن الأسماء التي تقدم حسب الرتبة والسبق وأيهما أقرب الى النفس، فعن حذيفة قال كنا جلوسًا عند عمر (رضي الله عنه) فقال: (( أيُّكم يحفظ قول رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) في الفتنة؟ قلتُ: انا كما قالهُ، قال: انك عليه أو عليها لجريٌ، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي )) [2] .
فالله سبحانه وتعالى يختبر الرجل ليرى قدرته على تحمل البلاء والبقاء على ايمانه وتمسكه بالله تعالى، وتحصل الفتنة بعدة أمور، رتبها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وفقًا لقربها الى نفس الرجل الأحب الى قلبه أولًا وتأتي الأمور الأخرى تباعًا، قال الكرماني في هذا الحديث: (( معنى الفتنة أن يأتي من اجلهم ما لا يحل من القول والعمل، هو ما يعرض له معهم من شر أو حزن وشبه ذلك، وقيل: أصل الفتنة في كلامهم الابتلاء والامتحان ثم صارت في العرف لكل أمر كشفه الامتحان عن سوء، وفتنة الرجل في أهله ونحوه ما يحصل من إفراط محبته لهم بحيث يشغله عن كثير من الخير، أو تفريطهُ فيما يلزمه من القيام بحقوقهم وتأديبهم فانه راع لهم ومسؤول عن رعيته وهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات ) ) [3] .
من ذلك يتضح لنا مدى محبة الرجل لأهله وماله وولده فتحدث فيهم الفتنة. فأي هذه الأمور هي الأكثر قربًا الى قلب الرجل وأحبها إليه، وأولها (في أهله) (( بأن يأتي من أجلهم بما لا يحل من القول والفعل(وفي ماله) بان يأخذه من غير مأخذه ويصرفه في غير مصرفه (وفتنة الرجل في ولده) بفرط المحبة والشغل به عن كثير من الخيرات أو
(1) ارشاد الساري: 2/ 76.
(2) صحيح البخاري: 1/ 140، والفتنة: الاختبار والامتحان، ينظر مختار الصحاح: 490.
(3) البخاري بشرح الكرماني: 4/ 179.