ومن هذا النمط من التقديم، قول الزهري في استعمال عظام الموتى نحو الفيل وغيرهُ، (( أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسًا ) ) [1] .
والغرض في هذا الحديث جواز أن يمتشطوا ويدهنوا في آنية مصنوعة من العظام فلا حرج من استعمالها (( ولو كان عندهم نجسًا ما استعملوهُ امتشاطًا وادهانًا، وحينئذ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجسه بناءً على عدم القول بنجاستهِ ) ) [2] ، وقولهُ لا يرون به بأسًا، أي انه جائز الاستعمال لعدم تحريم النبي عليهم فعلهم ذاك، فقدم شبه الجملة (به) على المفعول به، لجواز الأمر وتخصيصه أي انهُ مخصص الجواز به دون غيره، ولو أُخر (به) لكان لهُ ولغيرهِ.
6.التبعيض: عن السيدة عائشة (رضي الله عنها قالت:(( كان النبي(- صلى الله عليه وسلم -) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر )) [3] ، و (من) في الحديث للتبعيض، ومعنى (مِنْ) (( بعضهُ تبعيضًا أي جزأهُ ) ) [4] . فالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يصلي من الليل لا الليل كلهُ [5] ، فلولا تقديم شبه الجملة لما حصلنا على هذا المعنى، ومما ساعد على إعطاء معنى التبعيض حرف الجر (من) الذي دل بوضوح على ان الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) كان يصلي من الليل لا كلهِ. وفي هذا تحقيق وتسهيل للمسلمين، فالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) نفسهُ لم يصلِ إلا ثلاث عشرة ركعة من الليل، فالمسلمون ليسوا ملزمين بالصلاة طول الليل.
(1) صحيح البخاري: 1/ 68.
(2) ارشاد الساري: 1/ 464.
(3) صحيح البخاري: 2/ 64.
(4) مختار الصحاح: 58.
(5) ينظر ارشاد الساري: 3/ 165.