ولما عاتبه في تحريم ما أحل الله ما أحل الله له1، قال -عقيبه-: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} 2.
وابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ الجمع بقوله: {ياَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ..} 3. وهذا يدل على أن حكم خطابه لا يختص به.
1 في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} .
2 سورة التحريم من الآية: 2.
وقد اختلف العلماء في سبب نزول ذلك على أقوال كثيرة، أشهرها -كما قال الواحدي والقرطبي- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في بيت حفصة، فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي -صى الله عليه وسلم- فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في وجه حفصه الغيرة، والكآبة قال لها:"لا تخبري عائشة ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا"فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا متصافيتين- فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله هذه السورة."فتح القدير للشوكاني 5/ 287".
كما روى البخاري في كتاب التفسير، باب سورة التحريم، ومسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، من حديث حفصة وعائشة أنهما قالتا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: نشم منك رائحة مغافير"صمغ حلو له رائحة كريهة"قال:"لا، بل شربت عسلًا"-وكان قد شربه عند زينب بنت جحش- ولن أعود إليه"فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} ."
قال الشوكاني في فتح القدير"5/ 290":"والجمع ممكن بوقوع القصتين:"
العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا"."
3 مفتتح سورة الطلاق.
قال الشوكاني:"نادى النبي -صلى الله عليه وسلم- أولًا تشريفًا له، ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك". المصدر السابق ص377.