89 -سألتَ عن قَوْلِ اللهِ جلَّ وعزَّ في القُرْآنِ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [1] وقلتَ: قد جعله قولًا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يَدُلُّ على أَنَّ القرآنَ كَلامُ اللهِ تبارَكَ وتعالى، وكلامُ اللهِ غَيرُ مَخْلوقٍ [2] , وقَوْلُ النبيِّ مَخْلوقٌ؟ .
• والذي عندي أَنّهُ كلامٌ محذوفٌ مِنْهُ، كأنَّهُ أرادَ: إنه لقول رسول كريم عن اللهِ. أي بَلَّغَهُ عَنْهُ، والمحذوفُ في كلامِ العربِ كَثيرٌ. من ذلك قولُ اللهِ عزّ وجلّ: {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [3] [أي عاصف] [4] الريح فَحَذَفَ الرّيحَ لمّا كانَ في تَقَدُّمِ ذِكْرِ الريحِ دليلٌ على ذلك.
وقَوْلُهُ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [5] أراد تقيكم الحَرَّ والبَرْدَ، فَحَذَفَ البَرْدَ لأَنَّ ما [6] ... وفي الحَرّ، وفي البَرْدِ. وكذلك قولُهُ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} لمّا كان في رسولٍ دَليلٌ على مُرْسَلٍ جازَ أن يُضْمِرَهُ، ولو كان الاسمُ العلمُ لم يَجُزْ مَعَهُ الإِضمارُ. لو قال قائل: هذا كتابُ زيدٍ لم يجز أن يكونَ أرادَ (هذا كتابُ زيدٍ عن فلانٍ) لأَنَّهُ ليس في ظاهرِ الكلام دَليلٌ على المحذوف، فإنْ قال: هذا كتابُ وكيلٍ جازَ أنْ يُضْمِرَ عن فلانٍ لأَنَّ في وكيلٍ دليلًا على مُوْكِلٍ، كما أن في رسولٍ دليلًا على مُرْسِلٍ [7] .
(1) سورة الحاقة الآية 40 أو سورة التكوير الآية 19.
(2) انظر حول موضوع خلق القرآن.
(3) سورة إبراهيم الآية 18.
(4) [أي عاصف] زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام.
(5) سورة النحل الآية 81.
(6) في الكلام سقط لأن الكلام مضطرب.
(7) انظر القرطبي 18/ 274.