كثيرا، وقرأ: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} [الزمر: 6] قال: خلقا بعد ذلك. قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا} [غافر: 11] وقرأ قول الله: {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [الأحزاب: 7] قال: يومئذ. قال: وقرأ قول الله: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 7]
قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن رويناها عنه وجه ومذهب من التأويل. فأما وجه تأويل من تأول قوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} أي لم تكونوا شيء، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت؛ يراد بوصفه بالموت خمول ذكره ودروس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حي، وذكر حي؛ يراد بوصفه بذلك أنه نابه متعالم في الناس كما قال أبو نخيلة السعدي:
فأحييت لي ذكري وما كنت خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
يريد بقوله:"فأحييت لي ذكري": أي رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورا حيا بعد أن كان خاملا ميتا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: {وكنتم أمواتا} لم تكونوا شيء: أي كنتم خمولا لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم، فأحياكم فجعلكم بشرا أحياء تذكرون وتعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم كالذي كنتم قبل أن يحييكم من دروس ذكركم، وتعفي آثاركم، وخمول أموركم؛ ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ونفخ الروح فيها وتصييركم بشرا كالذي كنتم قبل الإماتة لتعارفوا في بعثكم وعند حشركم.
وأما وجه تأويل من تأول ذلك أنه الإماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: {وكنتم أمواتا} إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم. وذلك معنى بعيد، لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم لا استعتاب واسترجاع وقوله جل ذكره: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا} توبيخ مستعتب عباده، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطاعة ومن الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة