ثم ألا يرى معي الأخ الكريم أن إطلاق هذا القول إنما هو خدمة جليلة للاستبداد بالرأي، وقتل الحريات، وإماتة النصيحة في وقت نحن أشد ما نكون إلى تقييد سلطة الحاكم، فضلًا عن أنه مصادمة للنصوص.
البحث طويل وهناك أمور كثيرة جدًا تحتاج إلى نقاش، ولعلي أوفق إلى بيان بعضها والله أسأل للجميع التوفيق والسداد والصلاح.
قلت أن منطق التجهيل والتفسيق، وإخراج المسلم من دائرة السلف لخلاف في الرأي أمر مرفوض، وقلت أن رمي المسلم لأخيه المسلم بالآيات التي نزلت بشأن اليهود أسلوب مستنكر وفتنة عظيمة - وكان قد مضى شيء من ذلك وقع فيه الأخ محمد سلامة جبر في رده على الأخ إبراهيم الصديقي.
وقلت أيضًا بأن قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} على ظاهرها من الوجوب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأجبت عن شبهات الأخ محمد سلامة ودعواه أنها ليست للوجوب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الشورى في أمهات المسائل - وحاشاه ذلك صلى الله عليه وسلم وإذا كانت للوجوب في حقه صلى الله عليه وسلم وهو من هو نظرًا ورأيًا ورجاحة عقل واستنادًا إلى الوحي وتأييدًا بروح القدس فكيف بمن بعده صلى الله عليه وسلم؟.
واليوم أنا معك أخي القارئ لنناقش أمرًا خطيرًا آخر، ذلك هو دعوى الإجماع على ما ذهب إليه الأخ محمد سلامة، من أن الشورى ليست واجبة في حق الرسول ولا في حق الإمام المجتهد بل هي جائزة!! وادعى أن ذلك هو الإجماع الذي لا مخالف له ولا محيد عنه وأنه حكم الله وحكم رسوله وقول السلف قاطبة، وأن من لم يقل ذلك فقد خالف حكم الله ولم يرض به حيث قال بالنص:
"أقول هذا لأمر قررته، وحكم قضيته (هكذا!!) لم أقل فيه برأيي -وأعوذ بالله من القول بالرأي- ولا أفتيت باجتهادي فلست من أهل ذلك المقام، وإنما حكيت ما لا أعلم له مخالفًا من علمائنا الأعلام، ولا أعرف له رادًا من أسلافنا الكرام" (البلاغ العدد 218 - ص 32) .
واليوم أخي القارئ سأعفيك من رأيي وتعال ننظر ما قال السلف في هذه الآية {وشاورهم في الأمر} .