وقد مهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الأصل الذي أعلنه أمام جمهور الصحابة، وأعني أصل المشاورة لاختيار الحاكم بأن هناك من القرآن ما هو منسوخ تلاوة لا حكمًا ودلل على ذلك بآية الرجم وآية النهي عن الانتساب إلى غير الآباء التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: [من انتسب إلى غير أبيه -وهو يعلمه- إلا كفر] وكذلك هناك من السنة والقواعد الدينية ما قد لا نجد النص الصريح المفرد عليه وقد يكون هذا الأمر من الظهور والوضوح بحيث لا يحتاج إلى نص فكون الإمام في الإسلام يجب أن يكون عن شورى عامة هو من القواعد الجلية الواضحة، والمسلمات البديهية التي لا تحتاج إلى نصوص مفردة لاثباتها، ولولا الخوف من أن يطول مقام الشرح لهذا الأمر لأوردت عشرات من الآيات والأحاديث التي تدل على هذا بما يفهم منها وما يستنبط لا بالنص الظاهر، ولذلك وافق الصحابة جميعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما قاله ولم يعترض عليه معترض واحد، وهو الذي كان يسمح للمرأة بأن تعترض عليه .. أقول لم يعترض عليه معترض واحد من الصحابة وفيهم الفرسان والشجعان وهو يكرر هذه العبارة مرتين:"من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا".
ولم يقل له أحد: اثبت ما لم يثبت الشرع، وزدت في الدين ما ليس منهم، وخالفت سنة رسول الله، وتزيدت على القرآن بل جميعهم رضي الله عنهم أقروه فيما قال، وفهموه عنه تعليله لوقوع بيعة أبي بكر الصديق على ما وقعت عليه. وليس هناك إجماع أبلغ من هذا.
النظام المالي في الحكم الإسلامي نظام محدد واضح من حيث مصادر الثروة العامة وبيت المال وكذلك وجوه الصرف، وفي كل نصوص واضحة جلية في الكتاب والسنة، ومع ذلك فهناك كثير من الفرعيات لا يمكن البت فيها برأي الفرد الحاكم ولا بد من الرجوع فيها إلى آراء أهل الشورى وحكمهم النهائي، وكذلك هناك كثير من الملابسات والحالات الخاصة الاستثنائية توجب إيقاف العمل ببعض الفرعيات، أو استحداث فرعيات أخرى. وعملية التشريع هذه بالإيقاف أو الاحداث لا يمكن ولا يجوز أن يكون الرجوع فيها كمصدر وحيد للتشريع إلى رأي الفرد الحاكم بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى حكم الشورى.
وهذا بيان للإجمال السابق:
أولا: المصدر الأول من مصادر بيت المال هو الزكاة، والزكاة نظام محدد في السنة من حيث الأموال التي تجب فيها الزكاة، والمقادير التي يجب إخراجها، ويكاد أن لا يكون لأهل الشورى