وأخيرًا فالإمام يسترشد بأهل الشورى آرائهم في الوصول إلى الحكم الشرعي للمعاملات الحادثة والقضايا الجديدة وقد مر بك ذلك والحمد لله مفصلًا.
من التعرف على مجالات الشورى في الصفحات السابقة نحكم بأن الذين يتولون مثل هذه الأمور التي يتوقف عليها مصلحة الأمة في دينها ودنياها لا بد وأن يكونوا على مستوى هذه المسؤولية لقول الله تبارك وتعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} والشورى أمانة عظيمة فيجب أن تسند إلى أهلها الذين يقومون بها على وجه حسن ونعلم أيضًا أنه لا بد وأن يكونوا حائزين على ثقة الناس وحبهم واحترامهم حتى تكون آراؤهم وقراراتهم مقبولة عند الناس. ومعنى هذا أنه لا بد من توفر شرطين فيمن يجعلون أهل الشورى، وهو العلم والقبول عند الناس.
وإذا تتبعنا وقائع الشورى في المجتمع المسلم الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور في الأمور العامة التي تخص الناس جميعًا كما فعل في بدر شاور الناس كلهم وخاصة الأنصار الذين أخذوا عليهم العهد في العقبة على النصرة، وذلك ليتأكد لديه إن كانوا سينصرونه خارج المدينة أم لا. ولذلك تكلم عنهم سعد بن معاذ وكان سيد الأوس رضي الله تعالى عنه فقال خطبته المشهورة.
وكذلك في أحد استشار الناس جميعًا في الخروج أو البقاء لأن الأمر يهمهم جميعًا وأشار عليه البعض بالخروج والبعض بالبقاء وكان عامة الرأي على الخروج فخرج وإن كان ذلك مخالفًا لرأيه صلوات الله وسلامه عليه.
واستشار السعدين فقط في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة ليرجعا بقوميهما وذلك في غزوة الأحزاب، وسر اختصاصه السعدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة بذلك أن الأمر يخص الأنصار لأنهم أصحاب الثمار في المدينة، والسعدان هما رؤساء الأوس الخزرج فهم النواب عن قومهم. ورفضا رضي الله عنهما الصلح ومزقا كتابه فأقرهما الرسول صلى الله عليه وسلم، رجع عن رأيه.
واستشار الناس جميعًا في شأن من سبوا زوجته عائشة رضي الله عنها وكان ذلك في المسجد وقال: من رجل يعزرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي. واستشار عليًا وأسامة بن زيد فقط في شأن فراق عائشة بعد أن قال أهل الإفك فيها ما قالوا وذلك أنهم الصق الناس ببيته واعلم بمن يخرج ويدخل. وأما حوادث استشارة الخلفاء بعده فمعروفة مشهورة بكليتها كذلك على نحو هديه