فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 72

إذ ليس الشريعة ما يوجب هذا وذلك، وما ينفي هذا أو ذاك. فهو رأي أيضًا ساقط للأدلة التي سقناها إليك أنفًا مبينين أن الآخذ برأي الأغلبية هو السنة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدون من خلفائه وهو الذي تقتضيه المصلحة المرسلة، والظروف المعاشية التي تحياها الأمة إذ يستحيل على الأمة أن ترد جميع أمورها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها لرأي فرد واحد من الناس مهما كان هذا الأحد في الوقت الحاضر، ولا بد من إشراك الأمة إشراكًا حقيقيًا ليس بالرأي فقط بل بالاجتهاد الملزم للإمام ما دام أنه رأي الجمهور والأغلبية.

ويمكن أن يقال بأن الرأي الثالث يعمل به أحيانًا في ظروف خاصة حيث تعطي الأمة الإمام الحاكم صلاحيات معينة في اتخاذ قرارات مناسبة في ظرف من الظروف الطارئة كظروف الحروب والقلاقل الاجتماعية وأما في غير ذلك فقد عرفت بالأدلة القاطعة أنه يجب على الإمام الإلتزام برأي أغلبية مستشاريه.

وأظن الآن أنه في البيان السابق قد وضح الحكم، واتضحت السبل وعلم يقينًا بالأدلة الصريحة من مقتضيات الحكم الشورى في الإسلام الأخذ برأي الأغلبية المستشارة. والمستشار مؤتمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن تستأمنهم الأمة وتوليهم مهمة النظر في أمورها وتصريف سياستها يجب على الحاكم المسلم أن ينفذ ما أجمعوا عليه ويجب أيضًا أن يكون رأي أغلبيتهم هو الرأي الراجح الذي يجب الأخذ به، وليس هذا النظام نظامًا من صنع الغرب، ومن اختراع الديمقراطية كما ادعى المدعون، ولكنه نظام إسلامي خالص، انتقل من حضارتنا إلى حضارة الغرب كما انتقلت حسنات كثيرة، واليوم ينكره فريق منا أشد الإنكار لأنهم عاشوا في ظروف التسلط والقهر، وألفوا نظمًا فاسدة انتسبت للإسلام زورًا، ونسبت تسلطها هذا للإسلام والإسلام الحق بريء من ذلك.

تابعت باهتمام المناقشة حول الشورى في مجلة البلاغ، وكان ذلك بطلب من الأستاذ محمد سلامة جبر الذي أراد معرفة رأيي في الموضوع.

قرأت مقالي الأستاذ محمد سلامة جبر الأولين ثم رد الأستاذ إبراهيم الصديقي، ثم قرأت المقال الثالث الذي رد فيه على الأستاذ إبراهيم وما انتهيت منه حتى رأيتني أحمل عبئًا كبيرًا، وألمًا مضافًا إلى الآلام التي أحملها - ويشاركني في حملها كل مسلم يحس بآلام المسلمين ومشاكلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت