ب- وأما الأمر الثاني وهو أنه لا فائدة من الشورى لو أن الأمير له الرأي النهائي وإن خالف أكثرية الناس، فليس هذا الكلام صحيحًا بإطلاق، ولكنه صحيح من وجه. ففائدة الشورى عندئذ هي تنوير الإمام ليس إلا، وهي بلا شك فائدة جزئية وهي تفيد مع أفذاذ من الناس يملكون البصيرة والخبرة والتقوى وقلما اجتمعت هذه الخصال في رجل، اللهم إلا رجلًا كأبي بكر وعمر وهيهات أن يوجد في الأمة مثال يقرب من ذلك فضلًا أن يكون مثله، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: [وزنت بالأمة فرجحت، ووزن أبو بكر بالأمة لست فيها فرجح، ووزن عمر بالأمة لست فيها وأبو بكر فرجح] (البخاري) فهم رجلان كل منهما كان بباقي الأمة.
ج- وأما الأمر الثالث فهو أن تمكين الإمام من الأخذ برأيه مطلقًا وافق الشورى أو خالف فإنه ذريعة للاستبداد، والنفوس يستحيل أن تبرأ من الهوى مطلقًا ومن المنافع الشخصية أبدًا، وإذا كان قد سلف في الأمة خلفاء لم تكن لهم منفعة شخصية فإنى لنا أن نجد هذا دائمًا. وهذا وجه حسن.
وقالوا أيضًا إجماع الأمة معصوم من الخطأ ورأي الإمام ليس معصومًا فلو كان للإمام أن يخالف مجموع الأمة لجعلنا غير المعصوم حكمًا على المعصوم ثم لا شك أنه إذا تعادلت الآراء فرأي الإمام رأي، والصواب أحرى أن يوجد عند الجماعة منه عند الفرد، وكذلك نسبة الصواب مع المجموعة الكبيرة أكبر من نسبته مع المجموعة الصغيرة.
د- وأما الدليل الرابع وهو أن القول بالأخذ برأي الأغلبية ولزومه للإمام لو لم يكن مقررًا في الشريعة لوجب الأخذ به عملًا بالمصلحة المرسلة فهذا أيضًا دليل جيد إذ قد جاءت الشريعة بمصالح العباد فالمصلحة التي اعتبرتها الشريعة هي مصلحة إلى يوم القيامة، والمصلحة التي أهدرتها هي مفسدة إلى يوم القيامة، وأما المصلحة التي لم يأتي نص بإهدارها ولا باعتبارها فإذا رأيناها مصلحة وجب الأخذ بها أخذًا بالمنافع والمصالح.
والزام الحاكم برأي الأغلبية فيه منافع عظيمة للأمة إذ أنه يحول بين الحاكم وبين الاستبداد، ويجعل للرأي مكانة ومنزلة، ولجمهور الشورى مكانهم ومنزلتهم، ويعصم كثيرًا من الآراء الفردية المرتجلة التي قد تدمر الأمة بأسرها. ولعل هذا الدليل هو أقوى الأدلة على وجوب القول بهذا الأمر فقد لاقى المسلمون من الاستبداد بالرأي الفردي ويلات كثيرة ولن تشرق شمسهم إلا في ظل حكم شورى يضع للرأي الجماعي منزلته ومكانته.
هـ- هذه هي مجموع الحجج التي استند إليها القائلون بوجوب أخذ الحاكم برأي الأغلبية وهي كما ترى أمور واضحة صريحة شمسها ساطعة لا يحجبها سحاب أو ضباب.
وأما القول الثالث وهو أن الأمر في هذه المسألة يرجع إلى رأي الأمة فإن رأت الأمة أن تفوض الإمام في اختيار الرأي المناسب من آراء الشورى فعلت وإن شاءت أن تلزمه برأي جمهورها فعلت