ولا ينافي الإسلام أيضًا أن يكون للحاكم حق في اختيار عدد محدود من الأفراد ليكون من رجال الشورى وأهل الحل والعقد فيهم. وسلب هذا الحق منه إذا وجد أن المصلحة في ذلك ليست أيضًا باطلة شرعًا. بل كل ذلك من المصالح المرسلة التي لم يأت الشرع بإلغائها ولا الالتزام بها.
فتفويض الأمة الكامل لانتخاب مجلس للشورى جائز شرعًا وجعل عدد محدود باختيار الإمام جائز شرعًا. ويقدر هذه المصالح رأي الأمة وجمهورًا. وللظروف والملابسات دخل عظيم في اختيار الأسلوب المناسب لتطبيق هذه الأحكام.
السؤال الأخير في موضوع الشورى، هو: كيف الوصول إلى الرأي الأخير في الشورى. هل الإمام مخير في أن يقبل مذعنًا لرأي أغلبيتهم أم له أن يرفض ذلك ويعدل إلى رأي القلة؟ وما يجب أن يلتزم بإجماعهم أم له أن يرفض رأيًا أجمعوا عليه ويمضي ويحمل الأمة على رأيه هو وإن خالف هذا الإجماع.
في هذه المسألة نجد للباحثين المعاصرين والمحدثين من المسلمين آراء.
رأي يقول بأن الإمام مخير في قبول رأي الأكثرية من أهل الشورى أو رفض ذلك، والحكم الأخير له مطلقًا سواء وافق آراء الناس أم خالفها ويجب على الأمة -مع ذلك- السمع والطاعة له ما دام أن هذا اجتهاده ورأيه، بل لا يجوز له -في نظر هؤلاء- أن يذعن لآرائهم، وأن يرضخ لجمهورهم ..
ويرون أن الشورى بالنسبة للإمام ما هي إلا للاستنارة. والتوضيح فقط. فهي كما يقال إعلام للأمير لا إلزام.
ورأي آخر يقول بل الإمام في الإسلام ملزم برأي الأغلبية، ويجب عليه تنفيذ ما اتفقوا وأجمعوا عليه، ولا يجوز له أن يخالف جمهورهم ولذلك يقولون الشورى ملزمة للأمير لا معلمة له فقط.
ورأي ثالث يقول بل الأمر في ذلك حسب رأي الأمة إن رأت أن تجعل الأمر للأمير مطلقًا فعلت وإن رأت أن تقيده بآراء أكثرية المستشارين فعلت لأن الإمام نائب عن الأمة والأمر دائر على المصلحة فإن وجدت الأمة أن مصلحتها في تفويض الحاكم لكفاءته وظروف الناس كان لها ذلك، وإن رأت أنه يجب تقيد صلاحياته بإجماع أهل الشورى أو برأي أكثريتهم فلها ذلك أيضًا.