فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 72

ثانيًا: حصر عمر رضي الله عنه الحكم في ستة عندما فوضته الأمة في اختيار نائب له فأبى أولًا ثم رضخ بعد إلحاح لهذا ثم أخبر أنه إذا اجتمع أربعة على واحد وخالف اثنان فلا يعتد برأيهما فينصب خليفة للناس وإذا انقسم الستة إلى ثلاثة وثلاثة فعبدالله بن عمر مرجح لأحد الرأيين ولو

كان الأخذ بقول الأغلبية منافيًا للإسلام لما وافق الصحابة عمرًا على رأيه هذا ولقالوا له: لقد ابتدعت بدعة عظيمة في الإسلام فكيف يكون الاختيار بترجيح واحد أو بموافقة الأغلبية بل الأمر لك وحدك.

وإقرار الصحابة له وعدم وجوب مخالف في ذلك إلى يومنا هذا دل على أنه إجماع على أن نظام العدد والتصويت معمول به في شريعة الإسلام وفي سنة الراشدين. وليس نظامًا غربيًا كما يدعي المدعون، فليس رأي الأكثرية عورة يجب نزعها من الإسلام نزعًا ونسبتها للغرب.

هـ- وأما الحجة الخامسة وهي أن نظام العدد والتصويت لو كان من شرائع الإسلام لذكرته كتب الفقه، وحددت نصابه ونظامه فهو أيضًا قول مقذوف على عواهنه. فكتب السير ذكرت حادثة عمر هذه وجعلت بيعة الإمام بموافقة أهل الشورى وجمهور المسلمين بل قال أبو بكر الصديق للأنصار يوم السقيفة"إن العرب لا تجتمع إلا على هذا الحي من قريش"أي أن جمهور العرب يجمعون ويجتمعون على قريش ولا يمكن أن يرضى جمهورهم عن أنصاري.

وسيأتي في بيان مسوغات الأخذ برأي الأغلبية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان ليخالف جمهور مستشاريه قط بل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول لأبي بكر وعمر [ولو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما] .

وإذا كانت كتب الفقه التي اهتمت بالفروع قد كتبت في عهود تعطل فيها العمل بالشورى في ظل أحكام أخذت الوراثة في الحكم، والاستئثار بالأمر دون المسلمين، فهل يكون هذا الواقع حجة في دين الله؟ إلا أنها حجة واهية.

و- وأما الحجة السادسة لأصحاب القول الأول وهي أن الكثرة قد جاءت مذمومة في القرآن في آيات كثيرة كقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} الآية في قوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} قالوا وزعموا: ويؤخذ منها أن الكثرة على ضلال، وما دام الأمر كذلك فلا يؤخذ برأيهم ولا يحكم بحكمهم.

ولم أر قولًا في الباطل كهذا القول. إذ هو إنزال للآيات في غير منازلها وتطبيق لها في غير واقعها. فالكثرة المذمومة هنا هي كثرة الكفر والضلال لا مجموع الأمة وجمهور خيارها.

فالأمة بمجموعها معصومة عن الخطأ كما هو مقرر في أصول الفقه، وجمهور الأمة أقرب إلى الصواب من القلة في الأمور التي لا نص فيها فانظر كيف يستدل بالآيات في غير مواضعها، وتنزل على غير أحكامها ومنازلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت