المسلمون وحدهم وما عدا ذلك فليسوا بمسلمين، وكان من أسباب هذه الأقوال الظن الخاطئ بأن جماعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى هي الجماعة المسلمة فقط وأن أمير جماعة الدعوة يقوم مقام الإمام العام والخليفة، ولذلك أعطى مفارق جماعة الدعوة حكم مفارق بيعة الإمام العام، وليس هذا بسديد، بل مفارق جماعة الدعوة مخل بعهد وبيعة خاصة ولا تنطبق عليه أحاديث مفارق الإمامة العامة ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: [من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة الجاهلية] متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأما حكم التعدد للجماعات الإسلامية فالحق أنه راجع لطبيعة الجماعات وأعمالها وظروف المجتمعات التي تعيش فيها.
فالمصلحة الشرعية تحتم أحيانًا التعدد في المجتمع الواحد وتحتم أحيانًا التوحد والاجتماع وتجيزه أحيانًا أخرى، ويحدد الحكم في هذا النظر الشرعي الصحيح المبني على دراسة وافية للنصوص الشرعية، وطبيعة المجتمعات، والدعوات القائمة والمهمات المنوطة بها وهذا كلام فيه إجمال كثير ولتفصيله مجال آخر إن شاء الله تعالى. والمهم في هذا الصدد بيان أن القول بحرمة تعدد جماعات الدعوة في المجتمع الواحد أو البلد الذي تحده حدود سياسية واحدة قول متعجل. وكذلك القول بالجواز مطلقًا تنقصه الرؤية الواضحة لأحوال الدعوات ومشاكلها.
حدثني الشيخ داود أحمد فيصل الداعية المسلم في نيويورك وصاحب جماعة الدعوة إلى الإسلام هناك قال:"في نيويورك وحدها أكثر من أربعين جماعة تدعو إلى الإسلام، ولكن كل جماعة تدعو إلى إسلام غير إسلام الجماعة الأخرى". فمن يقول بجواز التعدد إذا كان على هذا النحو من الفساد والبلبلة والصد عن سبيل الله.
ولكن إذا تعددت مصالح الأمة التي أهملها كثير من الحكام كبناء المساجد وتربية النشء على أساس الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع شبه الضالين، وتنقية عقائد المسلمين فقامت لكل مصلحة من هذه المصالح وواجب من هذه الواجبات جماعة تفرغ جهدها فيها فهل يقال هنا بحرمة التعدد؟ كلا إن التعدد هنا واجب حيث أنه يجب سد هذه الثغرات جميعًا، والقيام بهذه الواجبات جميعًا.
ولكن ما يحز في القلب أن يرى المسلم -في أيامنا هذه- أن همّ جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى -إلا من رحم الله منهم- قد انصرف إلى هدم بعضهم البعض، وأنهم ينفقون من أوقاتهم وأعمالهم في هذا الهدم أكثر مما ينفقون في البناء!