فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 72

وخلاصة هذا الأمر أن الميدان الأول من ميادين الشورى هو سياسة الأمة الإسلامية مع غيرها من الأمم قتالًا أو سلامًا أو عهدًا أو صلحًا ولا يقرر هذا الحاكم المسلم بمفرده بل بمجموع آراء الأمة وفكرها، وهذه هي الشورى. وتبادل الرأي في هذا الصدد هو لاختيار حكم الله المناسب للظروف والحكم بحسب قوة الأمة وحالة عدوها ..

المشكلة الأولى التي ستقابل أي حكم إسلامي بمفهوم الكلمة الشرعي -لا بمعنى الكلمة العرفي الكاذب هي أولويات التطبيق للأحكام الشرعية- فالأمة الإسلامية بعد ضياع الخلافة منها، وقيام الدول في أرضها على أسس وطنية أرضية لا على أساس عقائدي إيماني، وإزاحة التشريع الإسلامي من منصة الحكم ومزاحمة القوانين الأخرى للتشريع الإسلامي نشأت فيها بذلك أوضاع بعيدة كل البعد عن تشريع الإسلام وروحه، فقانون العقوبات الإسلامي بوجه عام مبعد مقصي، وكذلك قوانين السياسة الخارجية، وطائفة كبيرة من الأحكام الإقتصادية والاجتماعية بعيدة عن تشريع الإسلام، ولذلك فستكون المشكلة الأولى -كما قلت آنفًا- من أين يبدأ الحاكم الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية. أمن السياسة الخارجية أم من إقرار قانون العقوبات فيقتل القاتل، ويقطع يد السارق ويرجم الزاني، أم بتعديل النظام الإقتصادي فيحرره من الربا والامتيازات المحرمة، أم بتطهير المجتمع من الرذائل والفسق فيمنع الخمر، ويغلق أماكن الفساد واللهو المحرم ويأمر النساء بالستر والتعفف. وهل يبدأ بهذا كله دفعة واحدة وفي يوم واحد؟ أم يتدرج في الإصلاح والبناء؟ وإذا كان يتدرج فما هم الأهم من ذلك ليقدمه على المهم؟

وهنا يأتي دور الأولويات في تطبيق الشريعة، وهذه الأولويات سيختلف النظر فيها كثيرًا. إذ بينما يرى أناس أن النظام الاقتصادي يأتي في المقدمة سيرى آخرون أن تطهير المجتمع أولى من ذلك، وسيدافع آخرون عن رأيهم بأن السياسة الخارجية هي أهم المهمات، وسينادي آخرون بتطبيق قانون العقوبات أولًا وقبل كل شيء، ولا شك أن مجلسًا للشورى يجتمع فيه أولو العلم والفضل من المسلمين سيقرر بعد نظر ونقاش الخطة التي يراها أمثل لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا كاملًا، وهذا هو المجال الثاني من مجالات الشورى إنه بحث الأولويات في تطبيق شريعة الإسلام وذلك حسب ملابسات الوقت وأحوال الناس واستعداداتهم والقوة المهيأة لحكومة إسلامية تريد تطبيق الإسلام وسط هذا الطوفان الهائل من أفكار الجاهلية ومعتقداتها ووسط طوفان آخر من الفسق والرذائل عم وجه الأرض كلها بالفساد والانحلال ولن تكون هذه مهمة يسيرة أبدًا بل أنها مهمة شاقة للغاية لأنها تقتضي علمًا واسعًا وحكمة عظيمة ولا يفهم هذا إلا من عرف منهج التشريع الرباني وتدرجه حسب استعداد النفوس وقبولها وعرف أيضًا منهج الإسلام في تربية الجماعة المسلمة والأمة المسلمة وأما من أوتوا نصيبًا قليلًا من العلم فإنهم يظنون أن حاكمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت