فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 72

وأما الفرق الثاني بين الإمامة العامة والجماعات الخاصة ففي الطاعة فهي في الإمامة العامة مطلقة لا يقيدها إلا المعصية فقط، وهذه الطاعة ثابتة للإمام العام في عنق المسلمين حتى مع جوره وظلمه يدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة] متفق عليه.

وكذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: [بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول للحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم] ، وفي رواية: [وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان] . متفق عليه. فقوله رضي الله عنه: [وعلى أثره علينا] معناه أننا نطيع الإمام ولو آثر غيرنا علينا، وكذلك قوله: [وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا] أي لا يجوز الخروج على الإمام بالفسق الذي لا يبلغ حد الكفر وطاعته مع هذا الفسق أيضًا واجبة. ولا يعني هذا بالطبع عدم نصحه بل هو واجب كما قلت في صدر هذا البحث، بل جعل الرسول القيام للإمام الظالم الفاسق ونصحه أفضل الجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم: [أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر] وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم من يقتله هذا الإمام الجائر عند نصحه من سادات الشهداء كما قال صلى الله عليه وسلم: [سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله] .

وهذه الطاعة المبينة آنفًا غير الطاعة الثابتة لأمير جماعة الدعوة أو أمير جماعة الغربة أو السفر فالطاعة في كل الجماعات السابقة طاعة عرفية مشروطة، وأعني بقولي عرفية أنها بحسب ما تتعارف عليه الجماعة وبحسب ما تشترطه، وبالطبع لا يلزم الطاعة مع الفسق والجور، فقد أوجب الرسول الطاعة للإمام العام مع فسقه وجوره للفساد الحاصل من عصيانه والخروج عليه، ولا يتأتى فساد من عصيان أمير جماعة السفر والغربة والدعوة كفساد الحاصل هناك. فالطاعة والالتزام في هذه الجماعات مشروط ببقائها في النظام الموضوع وشروطها المنصوص والمتعارف عليها.

وهناك اتفاق على أن ولاية أمور المسلمين يجب أن تكون بيد واحدة هي الخلافة أو الإمامة الكبرى، ولكن بعض المقررين للأمور الواقعة في عصور خلت من تاريخ الإسلام قالوا بجواز تعدد الإمامات العامة. ولا يخفى ما في قولهم من البعد والشطط.

وهذه الأقوال انطبعت أيضًا على العاملين في حقول جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فرأى البعض أن تعدد الجماعات غير جائز، واشتط البعض فزعم أن من انضم إلى جماعة ما هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت