ولما كانت خاضعة دائمًا إلى ظروف المجتمعات ونموها ورقيها، وتعدد مصالحها فإن الله عز وجل قرر المبدأ فقط (الشورى) ولم يقرر لنا كيفية معينة لتطبيقها. وذلك حتى نتصرف في الكيفية على النحو الذي يرضي ربنا، ويحقق لنا مصلحتنا الدينية والدنيوية ولذلك -أكرر مرة ثانية- يخطئ من يفرض على الناس صفة معينة لمبدأ الشورى ويقول: هذه هي الصفة الشرعية وغيرها باطل. بل الصفة التي تحقق مصلحة الأمة والجماعة، ويتحقق بها تنفيذ هذا المبدأ فهي الصفة التي يحبها الله ويرضاها. ولذلك يجب أن ينظر في الصفة الصالحة نظرة المصلحة العامة ولا نحجر على الناس بصفة معينة، فأي الصفات حققت مصلحة الجماعة فهي صفة شرعية واجبة أوجبتها هنا (المصلحة المرسلة) وسيأتيك إن شاء الله شرح لهذا الأصل الفقهي عند الكلام على القرار الأخير في أمر الشورى.
مضى القول بأن الشورى في حقيقتها استطلاع الرأي من أهل الخبرة للوصول إلى أقرب الأمور للحق، وأن الحق في أمور الشورى لا يقطع به لأن المقطوع بأنه حق لا يدخل في مجالات الشورى، وسيأتي إن شاء الله تفصيل لهذه الجملة الأخيرة، وعرفنا أيضًا أن أسعد الناس حظًا في الوصول إلى الحق هم الذين يتجردون لله سبحانه وتعالى، ويتخلصون من هوى أنفسهم، ومضى كذلك القول بأن الشورى مبدأ واجب التطبيق وقاعدة من قواعد الحكم في الإسلام، وأنه مع ذلك مرن في التطبيق واتخاذ الشكل المناسب في كل عصر من عصور الإسلام.
والآن أخي القارئ نحن مع المجالات التي سيعمل أهل الشورى فيها، وهذا للإجابة عن هذا السؤال: ما العمل الذي سيزاوله أهل الشورى عندما يجتمعون؟ وفي أي القضايا سيبحثون ويناقشون؟
وللإجابة عن هذا السؤال أحب أن أذكر بأن هناك فروقًا أساسية بين نظام الشورى في الإسلام وأي نظام آخر، وسيأتي لهذه الفروق فصل مستقل، إن شاء الله تعالى.
ونستطيع أن نرد هذه القضايا إلى ستة أبواب رئيسية هي:
أولًا: سياسة الأمة في الحرب والسلم: