وببيان هذا الأصل تعلم خطأ من ذهب من الفقهاء إلى أن البيع لا يجوز إلا بصيغة تفيد الإيجاب والقبول (بعت وقبلت) ولذا ذهب من قال بهذا إلى تحريم ما يعرف ببيع المعاطاة، وهو أن تعطي البائع مبلغًا من المال وتأخذ منه السلعة دون كلام يفيد الإيجاب والقبول، وهذا بيع جائز نفعله جميعًا فأنت تشتري الآن صحيفتك اليومية، وكثيرًا من السلع المعلومة دون أن تلفظ بكلمة واحدة من البائع فهل هذا بيع باطل شرعًا؟! بل وأنت تضع عشرين فلسًا في الآلة فتخرج لك (قارورة البارد) فتشربها وتنصرف والطرف الثاني في هذا العقد ليس إنسانًا وإنما هو آلة، وكل هذه البيوع مباحة لأن الأصل في المعاملات هو الإباحة ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص، فالذين نظروا إلى المعاملات نظرتهم إلى العبادة أخطأوا خطأ فاحشًا لأنهم حجروا على الناس استحداث الجديد منها، وضيقوا القديم بكيفيات وهيئات وشروط لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. فالذين قالوا لا ينعقد النكاح إلا باللغة العربية قد حجروا واسعًا، والذين قالوا شركات المساهمة حرام لأنها لم تكن معروفة في عهود الفقهاء الأولى قد أخطأوا خطأ فاحشًا، وضيقوا على الناس حياتهم بل الأصل في هذه المعاملات هو الحل ولا يحرم منها إلا بنص.
وكذلك أخطأ من نظر إلى العبادة نظرته إلى المعاملة فظن أن الأصل فيها التوسعة، وعدم الالتزام ولذلك فهو ينفر ويغضب إذا قيل له يجب أن تسوى الصفوف في الصلاة، ويلزق القدم بالقدم، ويسجد على هيئة معينة، ويركع بكيفية خاصة. أقول مثل هؤلاء ينفرون إذا ذكروا بهذا ومثله، وظنوا أن هذا من التحجير والتضييق بل ليس هذا هو التحجير والتضييق، وإنما الشأن في العبادة أن تؤدي كما شرعها الله تبارك وتعالى بكيفياتها، وحركاتها، وسكناتها وبذلك نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: [صلوا كما رأيتموني أصلي] ، ونفهم أيضًا أن الذين لا يتقيدون في مناسك الحج بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعبادته مخطئون لأنه يقول: [خذوا عني مناسككم] فالأصل في العبادة التقيد التام، والحرفية المطلقة وعدم الابتداع، ومن أحدث في أمور العبادة ما ليس مأمورًا به فهو مردود عليه.
وأما شؤون الدنيا وتنظيمها فالأصل فيها الإباحة مع التقيد التام بحدود الله تبارك وتعالى، فلا يفعل فيها حرام، وأما الابتداع فيها والاستحسان فهو أمر مباح بل مطلوب شرعًا.
هذه -أخي القارئ- قاعدة هامة من قواعد فهم الشريعة، فاحرص عليها فإنك محتاج لها طيلة حياتك.
وإذا فهمت هذه القاعدة - فاعلم أن الشورى من المعاملات التي شرعها الله لننظم بها شؤون حياتنا الدنيوية على أكمل وجه وأتمه وشؤون حياتنا الدينية أيضًا.