العبادات والقرب هم حكم المعاملات. وهذا خطأ قد بيناه في صدر هذا البحث وقد قلنا آنفًا أن أوامر الشورى في الإسلام قد جاءت عامة مرنة لم تلزم المسلمين بعدد معين لرجال الشورى، لا بطريقة بعينها لكيفية اختيارهم، ولا بنظام خاص للاقتراع بينهم، بل أمرت هذه النصوص الحاكم بالشورى، والتزمت المسلمين أن لا يصدروا في جميع أمورهم إلا عن الشورى كما قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} أما كيفيتها وتنظيمها فقد وكل هذا إلى عرف الجماعة ومستواها، وظروفها في العصور المتعاقبة.
ولذلك فإن من قال أن الانتخاب ليس نظامًا إسلاميًا لأنه لم يأت به دليل شرعي فهو جاهل بالفروق بين المعاملات والعبادات.
وإذا نظرنا إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وجدناه أنه يستشير الشيخين أبي بكر وعمر كثيرًا بل ويقول لهما: [لو أجمعتا في رأي ما خالفتكما في رأي ما خالفتكما] ويستشير السعدين أحيانًا كما فعل في غزوة الأحزاب ومصالحة غطفان، ويستشير الأنصار في بدر.
ويستشير الناس عامة في أحد، ويستشير عليًا وأسامة في فراق عائشة في حادثة الإفك وهكذا.
ولقد اعتبر أهل بدر بعد ذلك رجالًا للحل والعقد ولم يقطع أمر في زمن الخلفاء إلا بمشورتهم وكان هذا انتخابًا طبيعيًا لهم، فالرجال الذين لم يجبنوا في لقاء كبدر لا بد وأنه يكونوا أهل ثقة المسلمين جميعًا ومحل احترامهم وتقديرهم بعد أن كانوا محلًا لرضى الله حيث قال صلى الله عليه وسلم: [وما يدر بك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] .
ثم كان قراء القرآن وحفاظه والعالمون به بعد ذلك هم أهل الشورى، فالبخاري يقول في صحيحه:"وكان القراء أهل مشورة عمر كهولًا كانوا أو شبابًا"، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين] فهؤلاء العلماء بكتاب الله دفعهم إلى منزلة الشورى علمهم وسبقهم.
وحقيقة أنه لم يحصل في العصور المتتالية للإسلام انتخاب لمجلس شورى، وذلك أن المستشارين بالفعل لو كان انتخاب ما نجح غيرهم فعلمهم وسابقتهم في الإسلام، وجهادهم في سبيله أهلهم بطبيعة الأمور لتلك المنزلة وهذه المكانة.
ولا ينافي هذا إشراك الأمة في اختيارهم فالحاكم الآن لا يستطيع بمفرده الوصول إلى خيار الناس وفضلائهم وأهل الخبرة فيهم.