فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 72

أن يكون في الأمر وحي من الله، ولو كان في بدر وحي لما استشار الرسول أصحابه ولقال لهم: إن الله يأمركم بلقاء قريش الآن.

وكذلك في أحد رأينا أنه رضخ لرأي جمهور صحابته الذين تشوقوا للقاء العدو وإن كان هذا على خلاف رأيه، وهو يعلم مقدار الآلام التي ستتحملها الأمة فقد رأى في رؤياه أن بقرًا تذبح وأن ثلمًا في ذباب سيفه وقد أوله صلى الله عليه وسلم بقتل عدد من أصحابه وقتل رجل من أهل بيته. ومع ذلك أذعن رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج.

وفي الخندق رجع عن رأيه لرأي السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وذلك بعد أن كتب كتابًا مع رؤساء غطفان، وأقرهم على قطف ثمار المدينة ولكن أحد السعدين أخذ الكتاب ومزقه بل وبصق عليه وقال (والله لا نعطيهم إلا السيف) وهنا نجد أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذعن لرأي مستشاريه وهم أصحاب الشأن في ثمار المدينة لأنهم رؤساء الأوس والخزرج.

وفي حصار الطائف أبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبته في الرجوع عن حصار الطائف بعد مكث استمر كما قالت بعض الروايات أربعين ليلة وحصل للمسلمين في هذا الحصار بلاء شديد فقد قتل منهم رجال بالنبل، ولما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلمي فقال ما ترى؟ فقال له معاوية ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك .. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرًا أن يؤذن بالرحيل فضج الناس وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعدوا على القتال ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه، ولكن بعد أن أصيبوا بجراحات أخرى من القتال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قافلون غدًا إن شاء الله تعالى فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك (انظر زاد المعاد ص 197 ج 2) وفي هذا دليل ظاهر على نزوله صلى الله عليه وسلم عند رأي أصحابه وعدم إجبارهم عليه لأنه رأي وليس بوحي.

ومن تلك الوقائع كلها يظهر جليًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يعدل عن رأي جمهور أصحابه قط بل قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: [لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما] .

وكذلك كانت سيرة الراشدين رضي الله تعالى عنهم فإنهم ما حملوا الأمة على رأي كرهته قط، ولا خالفوا جمهورهم أبدًا. بل أن عمر كان يجمع المهاجرون للشورى فإن أجمعوا على رأي قضى به، وذلك كانت سيرتهم محمودة في أصحابهم، وإن كان أخذ على عثمان شيء فإنما هو لعدم الرجوع الدائم للأمة في بعض الشؤون وبذلك انتقضت عليه كثير من الأمور وظهر الإنكار عليه من كثير من الصحابة كعلي وعائشة رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت