من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان) فهل يمكن أن يكون هذا القول قاعدة لبناء دولة وفتوى دستورية شرعية اقتنع بها الكاتب أم أنه قول ربما قيل لظروف سياسية أكثر منها شرعية.
ولنا هنا أيضًا عتاب مع الأخ إبراهيم الصديقي الذي رمى الإمام ابن تيمية -وإن كان رميه بتغليب جانب الشك- بأنه قال قوله السالف لظروف سياسية وليس لبيان حكم شرعي نقول: هل اطلعت على رأيه في الكتاب المذكور وعلى السياق الذي ساقه فيه حتى تصدر هذا الحكم.
وهل سمعت أن ابن تيمية الذي أمضى سنوات طويلة من عمره سجينًا ومات في سجنه كان يدبج فتاواه لإرضاء الحكام والسلاطين وهو الذي وقف حياته على الجهاد في سبيل الله فرد على أهل الأهواء من معطلة الصفات ونفاتها ومن المتصوفة المغالين ودعاة الباطنية، والرافضة، والمقلدين الجامدين وكتبه وسيرته شاهدة بذلك. ونحيلك على كتابه المذكور لتعلم أنه قال هذا القول في إمامة الضرورة والاضطرار لا في حكم الشورى والاختيار. هذا ولقد كان لسوء استدلال الأستاذ محمد سلامة بهذا النص نصيب في تجويزه إمامة غير المجتهد وهذا لم يقله أحد من سلف الأمة إلا في حكم الضرورة والإجبار كما سلف عن ابن تيمية رحمه الله.
لقد تعرض الأستاذ محمد سلامة جبر في كلامه في الشورى لقضايا بالغة الخطورة واستدل بأدلة عليها لا يخلو دليل مما استدل به على نقاش ولست بخائض غمار هذا الأمر إلا أن يكون لدى قراء المجلة ما يدعوهم إلى هذا الأمر وعند ذلك اتجشم مشقته، وأحمل تبعته.
ومن الأمور الخطيرة التي وصل إليها جواز إمامة المقلد هكذا على إطلاقها ونسبة هذا القول إلى الإمام ابن تيمية رحمه الله والسلف. وقد ذكرت أن كلام ابن تيمية في هذا الصدد إنما هو في إمامة الجبر والإكراه لا الشورى والاختيار. والأمر الخطير الآخر هو أن استشارة الإمام المجتهد لأهل الشورى مستحبة لا واجبة وقد ورد الوجوب الثابت في قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} بأدلة في غاية العجب.
* الأمر الأول: أنه مستغن بالوحي عن الشورى .. ومعلوم أن مجال الشورى هو ما لا نص فيه من الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمور أن يستشير أصحابه رضوان الله عليهم فيما لا وحي فيه من الله. لأنه كان مفروض عليه أن يجتهد في مسائل كثيرة وهذه المسائل هي مجال الشورى، وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة يجب عليهم الاستشارة فيما لا نص فيه من الله عز وجل أو في مجالات تطبيق النصوص.
وأما القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمره الله بهذا تطييبًا لخاطر أصحابه فإنما هي دعوى تحتاج إلى دليل وبرهان على ذلك من قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم؟