وأما إذا كان المقصود بالطلبِ منهم أن يدعوا له الله معتقدًا أن دعاءه مستجاب حتى وإن كانوا في قبورهم فهذا اعتقاد باطل وذريعةٌ قويةٌ إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر إذا خلا عن اعتقاد أنهم ينفعون ويضرون.
قال شيخُ الإسلام رحمه الله في الفتوى المصرية في التوسل: وكذلك الأنبياء والصالحون، وإن كانوا أحياء في قبورهم. وإن قدر أنهم يدعون للأحياء وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته، فإنه لا يفضى إلى الشرك. انتهى.
وأما إذا كانت الاستعانة بهم بمعنى التوسل أي يدعو الله ويسأله وحده متوسلا إليه بما لهم من الحق والجاه فهذا النوع مُختلفٌ فيه، فمنهم من أجازه مطلقًا كالشوكاني، والصحيح أنه ممنوع وأنه داخلٌ في حد البدعة، لأن السلف قاطبةً لم يفعلوه مع وجود المقتضي له، وانتفاء المانع منه، بل عدلَ عمر رضي الله عنه والصحابة متوافرون إلى التوسل بدعاء العباس، فلو كان التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم جائزًا لما عدلوا عنه إلى التوسل بدعاءِ غيره، وقد أطالَ شيخ الإسلام رحمه الله في مناقشة هذه المسألة وأطنب في القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة.
وأما طلب الدعاء من الصالح الحي فجائزٌ كما دلت على ذلك الأدلة، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يطلبوا من أويسٍ القرني إذا لقيه أحدهم أن يستغفر له، فليسَ هذا من الباب المنهي عنه، وكذا الاستعانة بالحي فيما يقدرُ عليه، فهو من الأسباب التي شرع الله الأخذ بها، وقد بينا ذلك مفصلًا في الفتاوى ذات الأرقام التالية: 22722، 25984، 3779، 63961.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
17 شوال 1429