على الرغم من توافق الاقتصادين على أن النمو الأقصى والأمثل للناتج القومي يمثل الهدف الريئسي لتحقيق رخاء المجتمعات، إلا أن جزءًا مهمًا من الأموال المتاحة في الاقتصاديات المعاصرة يوجه إلى أنشطة مالية غير إنتاجية. يعزى النمو السريع للنشاط المالي بشقيه الإقراض والمضاربة إلى التوسع في الإئتمان، وثم إلى الرغبة في تحقيق أرباح بسهولة وسرعة في شكل فوائد أو بنتيجة ارتفاع أسعار الأصول المالية، وإلى تنامي ثروات بعض الأفراد والمؤسسات، وتفاوت الدخول والثروات، وتطوير أنظمة الاتصالات بين الأسواق المالية.
تمثل أنشطة المضاربة معاملات شراء الأصول والسلع والعملات بهدف تحقيق أرباح ناتجة عن ارتفاع أسعارها. المضاربة أحد صنوف التدخل في مجريات السوق الطبيعي. تخضع أسعار المضاربة لمجموعة عوامل مثل المؤشرات الاقتصادية والمعطيات السياسية وردود الفعل النفسية، وغالبًا ما تعكس هذه الأسعار مصلحة كبار المضاربين الذين يسيطرون على أسواق المضاربة. تتحدد اسعار المضاربة نتيجة تفاعل الطلب والعرض على عقود المعاملات وليس الطلب والعرض الحقيقي على الأصول أو السلع موضوع التعاقدات. ففي أسواق السلع لم يكن ارتفاع سعر برميل النفط من 40 دولار إلى 130 دولار دليلًا على زيادة الطلب عليه بنفس المقدار، وكذلك لم يكن انخفاض سعره إلى 70 دولار ناتجًا عن اخفاض الطلب عليه بنفس المقدار. وللمضاربة في أسواق العملات تأثير على أسعار الصرف. أما في أسواق الأسهم، فإن المضاربات فيها تمثل تحول المال بين المشتري والبائع دون إضافة حقيقية للناتج القومي. وبوجه عام فإنه يترتب على المضاربات في الأسواق المالية على اختلاف أشكالها ربح وخسارة للمضاربين يقابله عدم استقرار إقتصاد المجتمعات.
تمثل أنشطة الإقراض معاملات استبدال النقود بالدين بهدف تحصيل عائد يطلق عليه مجموعة من المسميات مثل فائدة، عمولة، ربح، كلفة التمويل، كلفة خدمة الدين، أو مصاريف التمويل. يمثل الإقراض أحد أهم وسائل تمويل الدول من خلال سندات الخزينة وتمويل المؤسسات من خلال سندات الشركات. كما يمثل الإقراض الجزء الأكبر من نشاط البنوك التي تتعامل بالفائدة، ويسهم الإقراض في زيادة أنشطة المضاربة من خلال منح القروض للمضاربين وتقديم تسهيلات الإقتراض على أساس هامش معين من قيمة أصول المضاربة. وبالرجوع إلى الشرائع السماوية، يلاحظ أن كلًا من الإسلام والمسيحية واليهودية يحرم التعامل بالربا، والمقصود بالربا الإقراض مقابل جني عائد. ولم يكن توافق الأديان على تحريم الربا إلا لما يسببه الربا من ضرر بالمجتمعات.