ولانقش، ولا صفة تعود إلى صغر، أو كبر، ولا إلى ضيق، أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف البهرج والزائف والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به. [1]
وقد يستغرقالبحث عن العلة وسببها في الحديث مدة، قال الخطيبُ البغدادي: فمن الأحاديثما تخفى علَّتُه، فلا يوقَف عليها إلا بعد النظرالشديد، ومُضِيّ الزمان البعيد. [2]
وقال صالح بن محمد البغدادي ـ المعروف بصالح جَزَرة ـ: سمعتُ علي بن المديني يقول: ربما أدركتُ علة حديث بعد أربعين سنة. [3]
ثم ليعلم أن هذا لم يحصل مع كل الأحاديث التي حكم عليها هؤلاء النقاد بوجود العلة فيها، وإنما حدث ذلك في مجموعة أحاديث كان الخطأ فيها دقيقا والعلة أكثر غموضا، وإلافإن أغلب الأحاديث الواردة في كتب العلل تذكر معها العلة. والله تعالى أعلم.
لقد ألف في باب العلل جماعة من أئمة الحديث، منهم علي بن المديني، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد بن حنبل، والحاكم، وغيرهم، وكتاب الإمام الدارقطني يعتبر من أجودها، وأجلها، وأكثرها فائدة، ولهذا نوه به غير واحد من أئمة الحديث في القديم والحديث، وأكثروا من الثناء عليه، ومن ذلك:
قال أبو عبدالله الحميدي: ثلاثةُ كتبٍ من علوم الحديث يجبُ الاهتمامُ بها: كتابُالعلل، وأحسنُ ما وضع فيه كتاب الدّارقُطنيّ، والثاني: كتابُ المؤتلف والمختلف، وأحسنُ ما وضع فيه الإكمال للأمير ابنِ ما كولا. وكتاب وفيات المشايخ، وليس فيه كتاب [4] .
(1) الجامع لأخلا ق الراوي وآداب السامع (2/ 255) .
(2) المصدر السابق (2/ 257) .
(3) المصدر السابق.
(4) سيرأعلام النبلاء (19/ 124 - 125) .