فإن كان الأمر الأول، فإنه ينظر في حال هذا الراوي هل هو ممن يقبل تفرده أم لا؟ ويعرف ذلك بمقارنة مروياته مع أقرانه من الثقات، فإن وافقهم في أغلب الأحوال قبل تفرده، وإن أكثر من مخالفتهم رد ما تفرد به.
وقد سُئلالإمام شعبة بن الحجاج: من الذي يُترك حديثه؟ فقال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لايعرفه المعروفون فأكثر طُرح حديثه. [1]
وقالالإمام علي بن المديني: لا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا، أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب. [2]
وقالالإمام مسلم: حُكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رواه، وأمعنفي ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته [3] .
وقال الإمام الذهبي: وإنّ تفرد الثقة المتقن يُعد صحيحا غريبا، وإنّ تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا، وإنَّ إكثار الراوي من الأحاديث التي لايوافق عليها لفظا أو إسنادا يُصَيّره متروك الحديث. [4]
ومع هذا فإن تفرد الراوي بالحديث هو مظنة الخطأ والغلط ولوكان ثقة، لأن الإنسان مهما بلغ من الضبط والإتقان والفهم فهو معرض دائما للوهم والنسيان. قال الإماممسلم: ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر، وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا ـ وإن كان من أحفظ الناس، وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل ـ إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله. [5]
(1) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: إبراهيم الدمياطي، ط 1 (مصر، دار الهدى، 2003 م) ، ص:142.
(2) الكامل في الضعفاء (4/ 45) قاله الإمام في حق شَبَابة بن سَوّار حينما انفرد عن شعبة بحديث.
(3) مقدمة صحيح مسلم (1/ 92) .
(4) ميزان الاعتدال (3/ 140 - 141) .
(5) التمييز (46) .