ولذلك يستعين أئمة الحديث بقرائن أخرى قد تساعد على الكشف عن العلة في مثل هذه الأحوال. قال ابن الصلاح: مع قرائن تنضم إلى ذلك، تُنبّه العارف بهذا الشأن [1] .
ومن هذه القرائن جمع أحاديث الراوي كلها، وذلك لمعرفة حاله من حيث الضبط، هل هو متقن، أو متوسط في الحفظ، أو أنه يخطئ، وهل ذلك عامًا، أو في شيخ معين؟ وهل ثبت أنه لقي شيوخه أم لا؟ ويستعان على ذلك بالنظر في سنه، وإمكان المعاصرة، ووقت دخوله البلدان من أجل السماع، وكذا معرفة البلدان التي رحل إليها، وهل أطال الملازمة لشيخه أم لا؟ فيتعرف على حاله هل هويدلس، أو يرسل، أو لا؟ وكذا النظر في طريقته في التحمل والرواية، فالثقة (قد يختلف حاله في الضبط باختلاف أحوال التلقي، فروايته عن أهل بلده قد تختلف عن روايته عن سواهم، كما أن روايته عن شيوخه ليست كلها بنفس الدرجة من ناحية الضبط والإتقان، فمنهم من أطال ملازمته، ومنهم من دون ذلك، وكذا منهم من أخذ عنه سماعا، ومنهم عرضا، وقد يوجد من أخذ عنهم إجازة، أومكاتبة، أو وجادة، كما أن الراوي كلما تقدم في السن يصبح أكثر عرضةلخفة الضبط، والاختلاط) . [2]
قال الإمام أبو زرعة الرازي: نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر، وفيغير مصر، ما أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له. [3]
وكذا نسب إلىلإمام يحيى بن معين أنه اهتم بأحاديث حماد بن سلمة ليتبين له عدد الأحاديث التي أخطأ وفيها، وكذا هل الخطأ منه أو من غيره. قال الحافظ ابن حبان: سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي يقول: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتاب حماد بن سلمة فقال: ما سمعتها من أحد؟ قال: نعم حدثني سبعةعشر نفسًا عن حماد بن سلمة فقال: والله لا حدثتك. فقالإنما هو درهم، وانحدر إلى البصرة واسمع من التبوذكي فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل فقال له موسى:
(1) معرفة أنواع علم الحديث (89 - 90) .
(2) الوردي زقادة، منهج الإمام الدارقطنيفي دراسة علل الحديث، بحث الدكتوراه، (جامعة باتنة، الجزائر،2008/ 2009 م) ، ص:118. بتصرف
(3) الجرح والتعديل لابن أَبي حاتم (1/ 335) .