وسلم ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرا وقد يكون حاضرا ولكنه في المسجد أو في موضع آخر وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها ما رأيته يصليها، وتكون قد علمت بخبره أو خبر غيره أنه صلاها، أو يقال قولها ما كان يصليها أي: ما يداوم عليها، فيكون نفيا للمداومة لا لأصلها والله أعلم، وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة، فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم) [1] .
وقال ابن حجر: (وَقَدْ اِخْتَلَفَ اَلْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ وَجَمَاعَة إِلَى تَرْجِيحِ مَا اِتَّفَقَ اَلشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا اِنْفَرَدَ بِهِ مُسْلِم وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَم اَلْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ اَلصَّحَابَةِ اَلْإِثْبَاتُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. قَالَ اَلْبَيْهَقِيّ: عِنْدِي أَنَّ اَلْمُرَادَ بِقَوْلِهَا"مَا رَأَيْته سَبَّحَهَا"أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهَا"وَإِنِّي لَأُسَبِّحهَا"أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَكَذَا قَوْلهَا"وَمَا أَحْدَثَ اَلنَّاس شَيْئًا"تَعْنِي اَلْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَفِي بَقِيَّةِ اَلْحَدِيثِ - أَيْ اَلَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِك - إِشَارَة إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ"وَإِنْ كَانَ لَيَدَعُ اَلْعَمَل وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَة أَنْ يَعْمَلَ بِهِ اَلنَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ"اِنْتَهَى. وَحَكَى اَلْمُحِبّ اَلطَّبَرِيّ: أَنَّهُ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهَا"مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ"وَقَوْلهَا"كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اَللَّهُ"بِأَنَّ اَلْأَوَّل مَحْمُول عَلَى صَلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي اَلْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي عَلَى اَلْبَيْتِ. قَالَ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثهَا اَلثَّالِث - يَعْنِي حَدِيث اَلْبَابِ - وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ اَلْمَنْفِيَّ صِفَة مَخْصُوصَة، وَأُخِذَ اَلْجَمْع اَلْمَذْكُور مِنْ كَلَامِ ابْن حِبَّانَ. وَقَالَ عِيَاض وَغَيْره: قَوْلُهُ"مَا صَلَّاهَا"مَعْنَاهَا مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا"كَانَ يُصَلِّيهَا"أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي اَلْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا وَفِي اَلْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ فِي اَلْجَمْعِ أَيْضًا: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ اَلضُّحَى اَلْمَعْهُودَةَ
(1) شرح النووي على مسلم (5/ 230) .