أحدهما: أنه يحدث فيه كبرًا وإعجابًا وهما مهلكان.
قال الحسن رضي الله عنه كان عمر رضي الله عنه جالسا ومعه الدرة والناس حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل هذا سيد ربيعة فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال مالي ولك يا أمير المؤمنين قال مالي ولك أما سمعتها قال سمعتها فمه قال خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطيء منك.
الثاني: هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه ومن أعجب بنفسه قل تشمره وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصرا فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال عليه السلام قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح. [1]
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في قواعده: ولا تكاد تجد مداحًا إلا رذلًا ولا هجاءً إلا نذلًا.
بل ربما تجاوز الحد حتى وقع في الكفر كقول ابن هاني الأندلسي شاعر المعز العبيدي مخاطبًا له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... = ... فاحكم فأنت الواحد القهار [2]
عَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه قَالَ سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُثْنِى عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ فَقَالَ: «لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ» . [3]
قال المهلب: وإنما قال هذا، والله أعلم، لئلا يغتر الرجل بكثرة المدح، ويرى أنه عند الناس بتلك المنزلة، فيترك الازدياد من الخير ويجد الشيطان إليه سبيلا، ويوهمه في نفسه حتى يضع التواضع لله، وكان السلف يقولون: إذا أثنى على أحدهم: اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون واجعلنا خيرًا مما يظنون. وقال يحيى بن معاذ: العاقل لا يدعه ما ستر الله عليه من عيوبه بأن يفرح بما أظهره من محاسنه. [4]
عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: كُنَّا جُلوسًا عِندَ عُمر فَأثنَى رجلٌ عَلى رَجلٍ فِي وجهِهِ فَقال: (عَقَرتَ الرَّجلَ عَقَركَ الله) . [5]
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سَمِعتُ عُمر رضي الله عنه يَقولُ: (المَدحُ ذَبحٌ) قال: محمد يَعنِي إِذا قَبِلَها. [6]
(1) - إحياء علوم الدين - 3/ 195: 160 بتصرف
(2) - فيض القدير - 1/ 183
(3) - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ- كتاب الأدب، باب ما يكره من التمادح- حديث: 5720، وَمُسْلِمٌ- كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، حديث: 5432
(4) - شرح صحيح البخاري لابن بطال - 8/ 48
(5) - رواه البخاري في الأدب المفرد- باب ما جاء في التمادح، حديث: 345 بسند حسن
(6) - رواه البخاري في الأدب المفرد- باب ما جاء في التمادح، حديث: 346 بسند صحيح